أزمة العرب ومعنى التخلف (4)

تم نشره في الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2015. 11:00 مـساءً

أ. د. كامل صالح أبو جابر*

إن مجمل السياسات للدول العربية عامة، ولدول المشرق العربي خاصة، ما تزال تتمحور حول كيفية التعامل مع إسرائيل وحليفاتها الغربية، ولاسيما الولايات المتحده الأميركية. بحيث يبدو أن كيفية التعامل المعقول أو شبه المعقول مع أميركا، قائدة التحالف الغربي، سيبقى التحدي الأكبر الماثل أمام الدول العربية على مدى المستقبل المنظور.
وأميركا اليوم، وبالذات بعد حربيّ الخليج الأولى العام 1991 والثانية العام 2003، أضحت بحكم قواعدها العسكرية في المنطقة، دولة جارة لكل دولة عربية، ولا يجوز أن تغفل أي منها عن هذه الحقيقة. مثل هذا الوجود العسكري يبدو وكأنه سيستمر على مدى المستقبل، خصوصا في ضوء تعاظم اعتماد دول العالم الغربي على النفط العربي.
ولا بد، كذلك، من الانتباه إلى أبعاد أخرى للخطر الصهيوني الإسرائيلي، الذي كان وما يزال يوفر الذريعة والغطاء لبعض الأنظمة العربية لاستمرار سلطويتها وقهرها لشعوبها، بحجة ضرورات المواجهة. فللوجود الإسرائيلي، إذن، أبعاد كثيرة، أجلى مظاهرها أنها أصبحت منذ ثمانينيات القرن الماضي، وبعد حلفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة العام 1981، الدولة الكبرى المهيمنة على صعيد المنطقة. وهو أمر لا بد أن يدخل في حسبان كل قائد من قادتها العرب، أو الأتراك أو الإيرانيين، أو الأكراد.
إن البحث في أسباب استمرار التخلف العربي، وإن أخذ بالحسبان العوامل الخارجية، بما في ذلك التحدي الإسرائيلي، لا بد وأن يركز على الأسباب الداخلية أيضا. فالأسباب الداخلية لهذا التخلف واستمرار وجودها، كانا أهم العوامل في تهيئة الأجواء المناسبة التي سهلت الاختراق الغربي/ الصهيوني للعالم العربي بسهولة. فثمة أمران مهمان لم يتنبه لهما لا صاحب القرار ولا المثقف العربي؛ أحدهما خارجي يتعلق بتزامن ظهور القومية العربية، منذ منتصف القرن التاسع عشر، مع تصاعد نفوذ الصهيونية، وآثارها المباشرة على مجرى السياسية الغربية. فيما الأمر الآخر الأكثر أهمية، فيتمثل في أبعاد انهيار الشرعية السياسية والدينية للإمبراطورية العثمانية، التي كانت المظلة والغطاء الواقي لفسيفسائية المجتمع وتعدديته الملية (من ملل) والإثنية.
وربما من دون وعي، حاول المثقف وصانع القرار العربيان إبراز القومية كهوية جامعة، لتحل محل الهوية الملية التي استمرت فترة الإمبراطورية العثمانية. وكذا برز، ولو للحظة ما، شعار "الدين لله والوطن للجميع". فقد أصبح جليا أن القومية تجمع؛ إذ من الممكن للسُنّي والشيعي والزيدي والإباضي والدرزي والمسيحي وغيرهم، أن ينضووا تحت راية القومية، وأن يتفرقوا سرعان ما تقدمت الهوية الدينية على القومية. وهو أمر لم يخف لا على الصهيونية، ولا على من يقف خلفها ويتبناها.
وقد سهل الاستعمار الغربي اقتحام الصهيونية للمنطقة، من خلال تلاقي مصالح الطرفين. إذ نجد رئيس وزراء بريطانيا هنري كامبل - بانرمان، العام 1907، يقوم بتشكيل لجنة من علماء التاريخ والسياسة والاجتماع، من عدد من الدول الغربية، للتدارس في كيفية استمرار هيمنة الاستعمار الغربي. وبعد دراسة معمقة لصعود وانهيار الحضارات، ونظرا لظروف القرنين التاسع عشر والعشرين، أوصت اللجنة بأن الخطر على مصالح الاستعمار الغربي يكمن في العالم العربي إذا تمكن من أن يوحد ويطور نفسه. وهكذا، أوصت هذه اللجنة السباعية بضرورة العمل على تجزئته وعدم السماح بتوحده، وضرورة إبقائه في حال من الجهل والتخلف والصراع. ولتحقيق ذلك، أوصت اللجنة ذاتها بضرورة خلق كيان قوي قريب من قناة السويس، صديق مقرب للغرب، ومعاد للعرب.
وفي بحثها عن مكامن الضعف في جسد الأمة العربية، اكتشفت إسرائيل أن لا بقاء طويل الأمد لها إلا بالعمل على تمزيق وتفتيت المجتمع العربي؛ حيث كان ولاء الفرد والجماعة، حتى نهاية الدولة العثمانية، مليا دينيا بالدرجة الأولى، وفشلت الدولة العربية في إحلال قيم القومية والعروبة مكانه. الأمر الذي يفسر الجهود الحثيثة لإسرائيل لمحاربة القومية، من خلال إثارة النعرات والعصبيات الإثنية والدينية اليوم.
فالعالم العربي؛ من المغرب غربا إلى العراق شرقا، ومن لبنان شمالا إلى السودان جنوبا، وعبر قارتيّ آسيا وأفريقيا، في حالة من الهلهلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا مثيل لها لا في التاريخ ولا اليوم. وهي حال أقرب إلى الحال الكارثية التي تزداد حلكة سوادها من يوم لآخر. ولعل أبلغ مثال على التهميش وفقدان الوزن اللذين وصل إليهما العالم العربي، يظهر في تقدم العرب بمبادرة السلام الصادرة عن قمة بيروت العربية العام 2003، لكن لم يعرها قادة العالم الغربي أي انتباه حقيقي يذكر، بينما تجاهلتها وازدرتها إسرائيل بشكل واضح. كما ويتضح فقدان الوزن الدولي هذا في عدم جدية قادة العالم الغربي في تعاملهم مع كثير من القادة العرب الذي يدأبون باستمرار على التزاور مع عواصم الغرب، حيث يستقبلهم "نظراؤهم" بالسجادة الحمراء، ويصدرون البيانات المشتركة الطنانة، بكن ينساها الغربيون حال مغادرة القائد العربي لبلادهم.
واليوم، يقول واقع الحال إن حقيقة الأمر أكثر مرارة من ذلك. وبما يقود إلى طرح السؤال: هل حقا حصل العرب على استقلالهم الحقيقي في أعقاب الحربين الكونيتين الأولى والثانية؟ إن إعادة قراءة لتاريخ المنطقة، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، تشير إلى أن هذا الاستقلال ما كان في واقع الحال إلا استقلالا صوريا. فالجيوش الغربية التي انسحبت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، يبدو وكأنها كانت مستعدة دوما للعودة، حسب مقتضى الحال. كما ويبدو وكأن انسحابها ما كان في واقع الحال إلا مجرد عملية تموضع من قاعدة لأخرى، وأن عودتها للمنطفة أمر ممكن، وبالذات في حال فشل محاولات التحكم عن بعد، التي استمرت الدول الغربية في ممارستها على الأنظمة العربية. مثل هذه الحال، كانت أحد أهم أسباب استمرار إدانة المثقفين العرب لبعض الأنظمة، لتبعيتها للتحكم الغربي؛ بسياساتها الخارجية، وحتى الداخلية منها.
واليوم، وقد عادت الجيوش الغربية إلى المنطقة، وأرست قواعدها فيها، فإنه لم يعد الوجود الغربي ولا نفوذه مجرد تحكم عن بعد، لا بل أصبح من داخل وجوف المنطقة، لاسيما وأن بعض الأنظمة هي التي قامت في هذه الحال بدعوة الجيوش الغربية لإعادة قواعدها إلى المنطقة. ومن المحزن أن القادة  العرب غير قادرين، حتى اللحظة وبالرغم من تدهور أحوال الأمة إلى ما هي عليه الآن، حتى على مجرد الالتقاء للتباحث في شؤونها.

*وزير سابق

التعليق