"يوم الفرقان يوم التقى الجمعان"

تم نشره في الجمعة 10 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً

د. محمد خازر المجالي

لئن كان رمضان كله بركة وعظمة، فإن ثمة أحداثا لها طابعها الخاص وأثرها العظيم على مر الأيام، منها ما وصفه الله تعالى بأنه يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، حيث غزوة بدر التي غيرت مجرى التاريخ؛ حين منّ الله على الفئة المستضعفة بالنصر على الفئة الباغية الكثيرة. وفي الغزوة دروس وعبر لا بد من الوقوف عندها. وقبل ذلك، أشير إلى أن ما جاء في الآية من تسمية بدر بالفرقان قد جعله بعض العلماء بداية الإسلام وتنزل الفرقان على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في الغالب يوم السابع عشر من رمضان، وهو غير تنزل القرآن جملة واحدة الذي كان في ليلة القدر المختلف في تحديدها، لكنها من خلال بيان النبي صلى الله عليه وسلم في الوتر من العشر الأواخر من رمضان.
أول درس نأخذه هو أن النصر غير مرتبط بقلة أو كثرة، سواء في العدد أو العدة، وغاية ما يطلبه الله تعالى هو ما جاء في آيات بدر في سورة الأنفال: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ..." (الآية 60)، وفي الآية الأخرى يقول الله تعالى: "... كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ..." (البقرة، الآية 249).
ومن الدروس، أن هذا الدين لا ينتصر بالمعجزات، بل بجهد أبنائه، ومن هنا قال الله تعالى: "... وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ..." (محمد، الآية 4). ولا ينفي هذا أن تتدخل العناية الإلهية بالتأييد أو الكرامات، لكن بعد أن نمضي في الطريق ونتجاوز التنظير. ومن يقرأ آيات بدر على وجه التحديد من سورة الأنفال، يدرك ذلك تماما. فقد شاءت حكمة الله أن تكون المواجهة الحاسمة، لا الغنائم الآنية وما قد يتبعها من أن محمدا وصحبه سطوا على القافلة، مع أن معظمها من أموالهم التي حُرموا منها، ولكنها إرادة الله ومشيئته، فقد أراد لهم ما لم يكن في الحسبان مما هو أعظم من القافلة والمال كله، حين مرّغوا أنوف المشركين في التراب، وفقدت قريش خيرة أبنائها.
وحين ساروا في مقصدهم، كان التأييد والكرامات، ولو بقوا في أماكنهم لما نالوا شيئا من هذا. ونأخذ من هذا درسا أن أمورنا كلها إن كانت طاعة، فالأصل أن ننطلق وقد أخذنا بالأسباب، وبعدها يكون التأييد من الله. وحسبنا في ذلك قوله تعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (العنكبوت، الآية 69). فهم في رعايته وذمته سبحانه، لا يتخلى عنهم وقد خرجوا من أجله. ولكن إن كانت المخالفات، فعندها قد تكون هناك عقوبة ما. ونتذكر في هذا ما كان في معركة أحُد، إذ قال الله تعالى: "وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ..." (آل عمران، الآية 152)؛ فكشفت الآية عن فشل وتنازع وحب للدنيا، وهي مقومات لا تتناسب والجهاد في سبيل الله تعالى.
ومن الدروس، الشورى التي كانت في الغزوة، وكيف تنوعت حين طلب القائدُ الشورى، وحين عرضها عليه أحد الجند. فالنبي صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة حين علم أنها المواجهة. ومن بنود بيعة العقبة، أن يدافع عنه الأنصار في المدينة، وهم الآن خارجها، فكره النبي أن يجبرهم على القتال خارج المدينة، وقال: أشيروا عليّ أيها الناس. فقام المقداد بن عمرو وتكلم كلاما جميلا. ثم أعاد النبي صلى الله عليه وسلم قوله: أشيروا عليّ أيها الناس. فقام عمر بن الخطاب وتكلم كلاما رائعا، وكلاهما من المهاجرين. وكرر النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى: أشيروا عليّ أيها الناس. ففهم سعد بن معاذ مقصد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: فإنا قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسِر على بركة الله". ولعل هذا أول موقف واضح علني لسعد، تبين فيه ولاؤه الخالص لله ورسوله، ومع مواقف أخرى جعلته راجحا بين الصحابة في ميزان الله تعالى، ولا عجب أن يهتز عرش الرحمن لموت سعد.
أما مشورة الجند، فقد أشار الحباب بن المنذر على النبي صلى الله عليه وسلم بمكان نزول الجيش، ويهمني هنا سؤاله: أهو منزل أنزلكه الله أم هي الحرب والخدعة والمكيدة؟ فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بالثانية. فأشار عليه بتغيير مكان الجيش. ويهمني هنا الالتزام بالوحي وحسن الأدب مع رسول الله، فإن كان وحيا التزمنا، وإلا فيأتي دور الرأي والمشورة.
ومن الدروس، الوفاء كما في النقطة السابقة. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وفيا في شأنه كله، فما أراد إكراه الأنصار على القتال خارج المدينة حتى يسمع رأيهم. وكم ينقصنا هذا الخلق العظيم في علاقاتنا ومسؤولياتنا. وربما يستهتر بعض الناس ببعض الأخلاق مثل الوفاء، ولا يستطيعه إلا الكمَّل من المؤمنين.
ولا أريد أن أفارق قبل أن أنبه إلى نداءات السورة بـ"يا أيها الذين آمنوا"، ويهمني هنا الطاعة والاستجابة لله والرسول، ويهمني ذلك النداء الذي بين شروط النصر فقال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (الأنفال، الآيتان 45 و46)، فكم نحن بحاجة إليها لأن المؤمنين في جهاد مستمر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يوم التقى الفرقان (مازن .... نابلس)

    السبت 11 تموز / يوليو 2015.
    قليل في الامه من يكون مثل اصحاب النبي