د.باسم الطويسي

قرن ازدهار الأديان أم اضمحلالها؟

تم نشره في الأحد 12 تموز / يوليو 2015. 11:08 مـساءً

كان القرن العشرون، على الأغلب، عصر اضمحلال دور الأديان في جهات عديدة من العالم. فإلى جانب السيطرة التي حققتها الأيديولوجيات المادية، وعلى رأسها الماركسية، على نحو ثلت سكان العالم، فإن لا أحد يستطيع إنكار حجم الازدهار الذي حققه الغرب في ترسيخ مبادئ العلمانية والإعلاء من قيم العلم في الحياة العامة خلال القرن الماضي، علاوة على الأفكار والفلسفات التي جاءت في سياق تداعيات الحروب الكبرى، وما انطوت عليه من تحييد للأديان. فماذا عن القرن الجديد الحالي؟ هل سيشهد بالفعل المزيد من الاضمحلال لدور الأديان، أم أن ما يحدث على الأرض يثبت أنه قرن ازدهار الأديان وعودتها إلى واجهة التاريخ؟
من المنظور الاتصالي والثقافي، تُربط التحولات الاجتماعية الكبرى في تاريخ البشرية بتاريخ الأدوات والوسائل، ما جعل مدرسة واسعة الصيت في الفكر تقول إن الموجة الخامسة من عصر الأدوات والوسائل؛ أي عصر الرقمنة وما ينتجه من تكنولوجيا ومن عولمة، سيشهد اضمحلال الأديان. بل إن بعض الأصوات في تسعينيات القرن الماضي كانت تتحدث عن نهاية الأديان، وأن قوة العولمة الثقافية وقوة الاتصال ستجعلان الحديث عن الأديان بعد قرن شبيهاً بحديثنا اليوم عن السحر والشعوذة والخرافات في القرن السادس عشر، زمن ما يسمى "ثورة كوبرنيكوس"، حينما قاومت الكنيسة فكرة ذلك العالم الإيطالي الذي قال إن الشمس وليس الأرض هي مركز الكواكب. كم هي فكرة تقليدية وبدهية بالنسبة لنا اليوم، وكم كانت صادمة وغريبة على ذلك العصر!
لكن ما يحدث على الأرض يثبت أن الكثير من وعود العولمة وعالم الرقمنة لم تتحقق، لا بل تحقق عكسها تماما. فمثلما تراجعت فكرة التنميط الثقافي في أحادية الثقافة، ازدهرت الأديان أيضا، لا بل وظهرت موجات كبرى من التطرف، كما يحدث لدى المسلمين، واستخدمت أدوات ووسائل العولمة والرقمنة في تحقيق نتائج مناقضة تماما للتوقعات.
ربما نستمع لصوت أكثر عقلانية؛ بأن السؤال ليس عن اضمحلال الأديان أو ازدهارها، بل عن قدرة المجتمعات على وضع الدين في سياقه ومكانته الطبيعيين، في مسار تطورها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. ما يجعل هذا القرن أقرب إلى الوصف بأنه ليس قرن الصراع الديني، ولا قرن الصراع على الأديان، بل قرن الصراع بواسطة الأديان.
في علم النفس الاجتماعي، جائز أن تمرض الجماعات؛ ليس بأمراض جسدية أو أوبئة سارية، بل بمرض أو جائحة ثقافية أو نفسية. وعادة ما يكون الفهم والتفسير السطحيان للأديان البيئة الجاذبة هنا؛ إذ يتحول الفشل وتردي نوعية الحياة، وعدم القدرة على الوصول إلى التطلعات إلى حالة قابلة لجذب الكثير من أشكال التطرف الذي تختلط فيه العواطف المنفلتة مع الخرافة والعنف وقوة الحدس والخوف من الغيب والتركيز على المظاهر الخارجية. وأسوأ ما تكون هذه الحالة المرضية حين تجد بيئة فكرية قادرة على إضفاء الشرعية عليها، وخلق ملاذ نفسي آمن لها، وأن تعدها بمصير غيبي آخر.
كلمة السر في الإسلام أنه قادر على تجاوز الكثير من الأثمان التي دفعتها الأديان الأخرى، بجملة بسيطة تتمثل في فصل المجال العام عن المجال الخاص، وصون الدين في المجال الخاص للأفراد. وعلينا تصور حجم الزمن الذي سيختصر إذا ما علمنا أننا اليوم انتقلنا إلى مرحلة الصراع داخل الدين التي مرت بها أديان أخرى منذ زمن طويل.


التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صراع بواسطة الاديان (هاني سعيد)

    الاثنين 13 تموز / يوليو 2015.
    نعم هو صراع بواسطة الاديان وايضا مرحلة الصراع داخل الدين تذكيه الجماعات الذي لها مصلحة في ذلك ومن هنا اختلطت العواطف المنفعلة مع الخرافة والعنف وقوة الحدس والخوف من الغيب والتركيز على المظاهر الخارجية وفي النهاية اضفاء الشرعية عليها وهذا يتفق مع سياق المقال الءي تفضلت بالحديث عنه في مقال الامس
    ومن هنا هذا ما تسعى اليه اطراف كثيرة من خلق هذه التنظيمات التي تتصارع اليوم لأن العولمة فشلت في تحقيق الاهداف المرجوة منها ولذلك تريد ان تظهر الدين بأبشع صوره وان تشوه قدسية الدين وهذا يتلخص في مجمل ما تفضلت به من ظهور موجات التطرف الحالية
  • »قرن ازدهار الأديان (يوسف صافي)

    الاثنين 13 تموز / يوليو 2015.
    الوسائل اداة ولوج للشيء وليست وحدة القياس للنتائج د.باسم والقارئ في غور ما جرى من طفرات للشعوب واسبابها يجد انها نتا ج عدم عدالة الأيدولجيات العلمانية والراسمالية المتوحشة حيث شطرت العالم الى شطرين طغى احداهم على الآخر وعمقّت الفجوة بينهما؟ زادت الفقير فقرا وتهميشا ومصادرة للقرار ؟ وزاد الغني غنى وغطرسة واستباحة حقوق الغير لفقدان التشريع العادل؟ واوجدت العنف والحروب نتيجة عدم المساواة والتوزيع العادل بين البشر؟؟ مما دفع البشر للتوجه نحو العدالة الدينية وهذا الهب القوى المتضررة من التغيير فتوجهت بكل قواها لنزع فتيل بوصلة الشعوب وحرف اتجاهها؟ مما ادى الى توالد العنف لبعض التيارات متجاوزة سماحة الدين ومنها من غرق في حرب المصالح القذرة ؟؟ حتى بدى للقوى المناهضة للدين التسليم بالتيارات الدينية المعتدلة خشية انجراف الكثير نحو التيارات المتشدده وسعيا ل الإستقرار والذي بدونه تتعطل مصالحهم ؟واني ارى بالرغم من ضبابية الرؤيا ان الإزدهار للدين المعتدل وليس لغيره من النظريات الدنيوية التي ساقت الشعوب للحروب والعنف بعد تغولها على الدين بحجة خدمة الشعوب وازدهارها عندما غزت بافكارها المجتمعات المتدينة في السابق والنتيجة كل يغني على ليلاه ؟؟والنهاية لتشريع خالق الكون العادل الأدرى بخلقه" وان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم"