موت وحياة حل الدولتين: كيف يمكن أن يحصل الفلسطينيون على دولتهم أخيراً؟ (1 من 2)

تم نشره في الثلاثاء 14 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً
  • طفل فلسطيني ينظر إلى جندي إسرائيلي عند حاجز الفصل العنصري المقام حول الضفة - (أرشيفية)

غرانت روملي، وأمير تيبون - (فورين أفيرز) عدد تموز (يوليو)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في 17 آذار (مارس) الماضي، فاز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإعادة انتخابه، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى تعهد يائس تقدم به في اللحظة الأخيرة لقاعدته اليمينية، بأن الفلسطينيين لن يحصلوا أبداً على دولة طالما ظل في السلطة. وبعد الانتخابات، حاول التراجع عن تعليقاته، ولكن المراقبين الفلسطينيين لم ينخدعوا بذلك. وكما عبر عن الوضع شخص مقرب من رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، فإن إعادة انتخاب نتنياهو أشرت على نهاية حقبة، وشكلت "الإقفال النهائي لنافذة الفرصة للتوصل إلى حل عن طريق التفاوض". ومضى الشخص الداخلي إلى القول: "قبل عامين، قال (وزير الخارجية الأميركية) جون كيري للكونغرس الأميركي إن النافذة ستغلق في غضون عام ونصف العام، أو عامين على الأكثر. وكان على حق. لقد انتهى الأمر".
كان الأمر الذي زاد من إحباط الفلسطينيين هو إدراك حقيقة أن نتيجة الانتخابات لم تكن لتهم كثيراً: فحتى لو كان نتنياهو قد خُلع، فإن الفلسطينيين سيظلون مضطرين إلى الاعتماد على ما يعتبرونه إدارة أوباما غير المبالية وغير الفعالة حين يتعلق الأمر بدفع مفاوضات السلام المتوقفة في الشرق الأوسط إلى الأمام. ولا يعترف أحد بذلك علناً في رام الله، العاصمة الفلسطينية بحكم الأمر الواقع، ولكن بعض المسؤولين الفلسطينيين يفتقدون في الواقع إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، التي بدا أنه كان لها تأثير على إسرائيل أكبر من تأثير البيت الأبيض الحالي. ويحب صائب عريقات، مبعوث الفلسطينيين للمباحثات مع إسرائيل والولايات المتحدة، أن يلاحظ في الأحاديث الخاصة أن بوش كان أول رئيس أميركي يدعم فكرة إقامة دولة فلسطينية، وكان الرئيس الوحيد الذي قامت إسرائيل في فترة ولايته بإزالة مستوطنات من الأراضي التي يطالب بها الفلسطينيون. وربما تكون إدارة باراك أوباما قد خاضت شجارات متكررة مع نتنياهو، لكن أوباما -مع كل هذا الهرج والمرج- لم يفعل أي شيء يذكر لصناعة تقدم على الأرض نحو إقامة دولة فلسطينية.
لم يكن أي من هذا جيداً بالنسبة لعباس، رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية البالغ من العمر 80 عاماً. اليوم، يقف عباس في أضعف موقف يمر به على مدى سنوات. وقد أصبح الرجل الذي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شيمون بيريز قد وصفه ذات مرة بأنه "أفضل شريك حصلت عليه إسرائيل على الإطلاق" يجد نفسه الآن في السنة العاشرة مما كان يفترض أن يكون فترة رئاسية من أربع سنوات، من دون تحقيق أي إنجاز أو إرث حقيقي. ويشير مؤيدوه إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعترفت خلال فترة ولايته بفلسطين كدولة، ولكن هذا الاعتراف لا يعني أي شيء للفلسطيني العادي في قطاع غزة والضفة الغربية، أو أي مخيم للاجئين في دولة عربية مجاورة. وقد توسعت المستوطنات الإسرائيلية في عهده، وما تزال الجماعة الإسلامية المتشددة، حماس، تسيطر على قطاع غزة، ويبدو أمر التوصل إلى حل الدولتين الذي تتقاسم بموجبه دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية مساحة الأرض الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط أصبح الآن أبعد من أي وقت مضى. وتظهر هذه الحصيلة بوضوح على عباس نفسه. ويقول صحفي إسرائيلي يغطي أخباره منذ سنوات: "الرجل يبدو حزيناً ببساطة. لقد أصبح التحدث معه أمراً يفطر القلب تقريباً في هذه الأيام".
لكن من المفارقات أن وفاة حل الدولتين ربما تكون بالضبط ما سيتبين أنه انبعاث هذا الحل وعودته إلى الحياة. ويبدو أن الزعماء الإسرائيليين ما يزالون يراهنون على أن الوضع الراهن من السيطرة العسكرية في الضفة الغربية يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى، لكن من المرجح أن يثبت خطأ ذلك. ومن المرجح أن يبدأ الشباب الفلسطينيون الذين فقدوا الثقة في التفاوض على حل الدولتين للصراع بالضغط من أجل الحصول على حقوقهم في داخل دولة واحدة ثنائية القومية بدلاً من ذلك. وبينما تتصاعد هذه المطالب بالحريات المدنية وحقوق التصويت وتكسب الدعم الدولي، ربما سيدرك الكثير من القادة الإسرائيليين أنهم مهما يكونون خائفين من حل يقوم على الدولتين، فإن حل الدولة الواحدة يمكن أن يكون أسوأ منه. وبذلك، يحتمل كثيراً أن ينتهي بهم المطاف إلى التحرك نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة بعد كل شيء.
المساعي من أجل الدولة
منذ تولى عباس منصبه في العام 2005، سعى الفلسطينيون إلى إقامة دولة من خلال الحصول على كل الزخارف القانونية الدولية للدولة. لكنه لم يكن حتى العام 2011 حين بدأت بشكل جدي حملة "فلسطين 194"، التي تتصور أن تصبح فلسطين الدولة رقم 194 التي تعترف بها الأمم المتحدة. وفي تلك السنة، هدد عباس بالدعوة إلى إجراء تصويت في مجلس الأمن الدولي على إقامة دولة فلسطينية، محتجاً بأن من شأن قبول فلسطين في الأمم المتحدة أن يعزز قوة الفلسطينيين في المفاوضات المستقبلية. وفي نهاية المطاف، تخلى عباس عن الدعوة إلى ذلك التصويت، فيما يعود أساساً إلى التهديد باستخدام حق النقض "الفيتو" الأميركي. لكنه عاد إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2012، حيث فاز الفلسطينيون بتصويت لترقية وضعهم من "مراقب غير دولة" إلى "دولة مراقب غير عضو"، وهو ما وضع فلسطين على قدم المساواة مع دولة الفاتيكان.
مع وجود الزخم إلى جانبهم، بدأ القادة الفلسطينيون في أوائل العام 2013 يأتون على ذكر المنظمات والاتفاقيات الدولية الأخرى التي يرغبون بالانضمام إليها، ووضع عباس عدد هذه المنظمات والاتفاقيات عند 63. وقال المسؤولون إن الخطة هي التقدم لعضوية هذه المؤسسات في ترتيب تصاعدي اعتماداً على الأهمية، وذلك من أجل زيادة ضغطهم على إسرائيل. وكانت الخطة أن تكون المحكمة الجنائية الدولية من بين أواخر المنظمات التي يتم التقدم إليها. لكن الفلسطينيين اتسموا بالكثير من الجرأة في هذا الشأن، حتى أن كيري أصر بحلول منتصف العام 2013 على وقف حملتهم قبل أن يتوسط في جولة جديدة من المفاوضات. وقد التزم عباس، ولكن الحملة لم تكن أبداً بعيدة عن ذهنه. وعندما انهارت المحادثات في 1 نيسان (أبريل) من العام 2014، عاد عباس إلى استراتيجيته السابقة، حيث وقع على الفور أوراق الانضمام إلى 15 من الاتفاقيات الدولية (معظمهما ثانوية).
في ذلك الحين، اتخذ عباس قراراً محسوباً بإزالة المحكمة الجنائية الدولية من القائمة، في محاولة لتجنب مواجهة دبلوماسية واسعة النطاق مع إسرائيل، ومن أجل إبقاء الباب مفتوحاً أمام استئناف المحادثات. لكنه كان من الصعب مواصلة المشي على مثل هذا الخيط الرفيع، ويمكن دائماً أن تأخذ الأحداث حياة خاصة بها. ولذلك، عندما اندلعت الحرب مع إسرائيل في قطاع غزة في الصيف الماضي، مضت الخطوات الأحادية الفلسطينية إلى الأمام وفقاً لذلك، واندفعت المحكمة الجنائية الدولية -التي أمل الفلسطينيون في استخدامها لمقاضاة الإسرائيليين على ارتكابهم جرائم حرب- لتحتل قمة الأجندة. ولم يكن عباس مرتاحاً تماماً لمثل هذه الخطوة، لكنه شعر بأن وضعه السياسي الداخلي تركه مع القليل من الخيارات. وفي كانون الأول (ديسمبر) حاول مرة أخرى جعل مجلس الأمن يمنح صفة الدولة لفلسطين، ولكنه قام بعدما فشلت تلك المحاولة بالتوقيع على المعاهدة التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية، بالإضافة إلى توقيع خطابات نوايا لأكثر من عشر منظمات أخرى، دافعاً الصراع بذلك إلى حقبة قانونية جديدة.
ولكن حملة "فلسطين 194" لم تكن تمتلك فترة صلاحية طويلة جداً. وقد أصبح الفلسطينيون أعضاء كاملي العضوية في المحكمة الجنائية الدولية في 1 نيسان (أبريل) من هذا العام، لكن من المرجح أن تستغرق أي تهم يسجلونها هناك سنوات عدة قبل أن تصل إلى البحث أمام المحكمة -هذا إذا وصلت إلى هناك من الأساس. وتظل العودة إلى مجلس الأمن الدولي خياراً على الدوام، لكن من المهم ملاحظة أن الأردن -وهو راع طبيعي للقرارات المؤيدة للفلسطينيين- سوف يفقد مقعده غير الدائم هناك في نهاية العام. وحتى لو قررت إدارة أوباما الامتناع عن التصويت بدلاً من استخدام حق النقض على قرار يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية على أساس حدود إسرائيل للعام 1967، فإن العواقب ستكون محدودة: صداع دبلوماسي لإسرائيل، وإنجاز رمزي للسلطة الفلسطينية، وإنما بلا إحراز أي تقدم حقيقي على الأرض في اتجاه التسوية. وعندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح الاعتراف بفلسطين في العام 2012، أرسل داني دايان، المدافع الإسرائيلي البارز عن المستوطنات في الضفة الغربية، تغريدة على "تويتر بالعبرية"، والتي كتب فيها: "مشهد السامرة خارج نافذتي الليلة ما يزال هو نفسه: إسرائيل". وقد عمل دبلوماسيو إسرائيل المحترفون أوقاتاً إضافية لشرح السبب في أن الحملة من أجل إقامة الدولة الفلسطينية كانت غير محقة؛ وبين دايان بتغريدته كيف أن ذلك التصويت لم يكن له معنى في واقع الأمر.
وإذن، ما الذي سيأتي بعد أن استنفد الفلسطينيون محاولاتهم لفرض دولة فلسطينية على إسرائيل من خلال الساحة الدولية؟ مع فشل الكفاح المسلح والمفاوضات والضغوط الدولية جميعاً في تحقيق الدولة، سيترتب على السلطة الفلسطينية الاعتراف بأن الوقت قد حان لمحاولة شيء جديد. وقد هدد عباس مرات عدة في الماضي بحل السلطة الفلسطينية، وهو ما سيضع فعلياً كامل المسؤولية عن الحكم في الضفة الغربية على كاهل إسرائيل، لكن إسرائيل لم تأخذ أبداً هذه التهديدات على محمل الجد. ومع ذلك، قال ابنه الأصغر، رجل الأعمال طارق عباس، في العام الماضي إن على الفلسطينيين التخلي عن حل الدولتين، وأن يطالبوا بدلاً من ذلك بحقوق التصويت التي ستمنح الفلسطينيين وصولاً إلى الكنيست، حيث تتخذ القرارات التي تتعلق بحياتهم فعلاً. وسيفضي مزيج من تهديدات الوالد واستراتيجية الابن البديلة إلى وضع إسرائيل على مسار خطير: سيكون على البلد أن يتعامل مع نحو 4.5 مليون فلسطيني في الضفة الغربية وغزة، والذين لا يطالبون بأرض لأنفسهم، وإنما بصوت ودور في داخل إسرائيل نفسها.
الشباب يثورون
سوف تتطلب أي استراتيجية من هذا القبيل تغييراً في حرس الحركة الوطنية الفلسطينية. ولن تأتي أي استراتيجية جديدة ما دام محمود عباس يقود الفلسطينيين، ومن الصعب تصور أي شخص غير عباس يقود الفلسطينيين طالما ظل حاضراً في المشهد. وقد شن عباس حملة على المعارضة، وهو يقوم دورياً باعتقال الصحفيين، لكنه يستطيع أن يبقي الوضع هادئاً، وثمة القليل من الأشياء التي قد تريدها إسرائيل والعرب والمسؤولون الأميركيون أكثر من وجود ضفة غربية هادئة –خاصة بالنظر إلى الفوضى المستعرة في كل مكان آخر في المنطقة في هذه الأيام.
لكن تلك قصة مختلفة تماماً. ففي هذه الأيام، لا يتمثل أكبر مكامن قلق عباس في محاربة إسرائيل أو حماس، وإنما في مقاتلة خصمه اللدود من داخل حركة فتح، الحزب الفلسطيني الأبرز: محمد دحلان. ويعود الخلاف بين الرجلين وراءً إلى حرب العام 2007 الأهلية بين فتح وحماس، عندما شاهد عباس دحلان، الذي كان حينذاك قائداً صاعداً في حركة فتح ورئيساً لجهاز الأمن في قطاع غزة، وهو يفقد الأرض لصالح حماس. وقد عاد دحلان إلى الضفة الغربية بعد ذلك كرجل موصوم في عين عباس الذي نفاه في العام 2011. ومن قاعدته في الإمارات العربية المتحدة، يقضي دحلان أوقاته الآن وهو يخطط للانتقام.
يمثل دحلان كل شيء لا يمثله عباس: فهو يتمتع بشعبية كبيرة، وهو صغير السن نسبياً، وهو لا يخشى من سفك الدماء. ومع أنه أمضى الوقت مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية المنفية في تونس في التسعينيات، فإن دحلان ليس بالضبط ضمن ما يدعى حشد تونس -مجموعة الساسة كبار السن الذين ساعدوا في تشكيل السياسة الفلسطينية الحديثة. وقد حول حشد تونس الحركة الفلسطينية بعيداً عن الكفاح المسلح وفي اتجاه المفاوضات الثنائية مع إسرائيل، وقام ببناء السلطة الفلسطينية. لكن هؤلاء القادة لم يستطيعوا إحراز الكثير من التقدم في السنوات الأخيرة، وعادة ما يُعتبرون بين الشبان الفلسطينيين فاسدين وفاترين. ويريد القليلون أن يكون خليفة عباس عضواً آخر من الحرس القديم، ويرى عباس تحدي دحلان الذي يلوح في الأفق على أنه بداية لصراع رئيسي من أجل السيطرة على مستقبل الحركة الفلسطينية. (يتبع)

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:The Death and Life of the Two-State Solution: How the Palestinians May Eventually Get Their State

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق