يوسف محمد ضمرة

إطفاء الحرائق وجلب الاستثمار

تم نشره في الأحد 9 آب / أغسطس 2015. 11:00 مـساءً

كان "الربيع العربي" خريفاً، بكل معنى الكلمة، بالنسبة للمستثمرين في بورصة عمان. فقد اشتعلت الحرائق في العديد من الشركات المساهمة العامة بأشكال مختلفة، منها على سبيل المثال لا الحصر، تهمة استثمار الوظيفة بحق عدد من مجالس الإدارات التي أصبح أفراد فيها موزعين اليوم بين طريد أو سجين أو مطلق السراح بالكفالة.
ما أفرزه "الربيع العربي" كان أكثر تأثيراً على الاقتصاد الوطني من الأزمة المالية العالمية التي انفجرت في العام 2008. لكننا لم نستفد من الدروس التي أنتجها موطن الرأسمالية، الولايات المتحدة الأميركية، في التعامل مع الأزمات، وسبل الخلاص من تداعياتها. إذ عرضت التجربة الأميركية كيفيات الانتقال من الانفجار إلى التعافي التدريجي، خصوصاً في أسواق رأس المال التي تحتاج إجراءات حاسمة وفاعلة للخلاص من الحرائق التي نشبت، وبدء مرحلة إعادة البيت إلى وضعه السابق.
هناك العديد من الأطراف في الشركات المساهمة العامة، وعلى الجميع أن يتحمل مسؤولياته. فلم يعد البكاء على المساهم الصغير مجدياً بعد مرور السنوات. وحال من تعثرت شركة له استثمارات فيها، هي حال التاجر. لكن الشركات التي أصبحت ميزانياتها مخالفة لقانون الشركات الأردني، خصوصاً فيما يتعلق بتجاوز خسائرها 75 % من رأس المال، يجب أن تصفى وتخرج من السوق. وسيشكل ذلك بداية تنظيف البيت من مخلفات الحريق. وعلى صانع القرار أن يتحلى بالشجاعة، ولا يلجأ إلى الترحيل.
أما بالنسبة للشركات المنظور وضعها أمام القضاء، فإن السنوات الأربع الماضية كانت كفيلة بالتحقق من مصيرها ومحاسبة المخطئين، أو حلها من خلال تسويات سريعة تكون مفيدة، للانتهاء من هذا الملف. ويجب طي ملف الشركات "الفاسدة" الذي تفجر في "الربيع العربي"، لأن ما يحدث اليوم، كما حديث جلالة الملك عبدالله الثاني المتواصل عن الاستثمار ودوره في مكافحة الفقر والبطالة، يجب أن تواكبهما إجراءات فاعلة من قبل الأجهزة الحكومية.
واقع بورصة عمان هو ببساطة مثل صندوق البرتقال الذي تؤثر فيه حبة أو حبتان أصابهما العفن على بقية الحبات، فتتلفها جميعاً. والأسواق المالية حساسة وسريعة التأثر، وهي تسبق الاقتصادات الحقيقية بأشهر. وإذا لم يتم طي ملف الشركات المتعثرة وإخراجها من السوق، فإننا سنبقى في الدائرة المغلقة. وسيتم التأثير على العديد من الأسهم الممتازة بشكل غير مباشر، عبر استمرار حالة عزوف المستثمرين العرب والأجانب نتيجة إفصاح عن قضية من هنا، وتغطية صحفية بدافع حق الرأي العام في الإطلاع، من هناك. فيبقى المستثمر في الخارج ينظر إلى بورصة عمان باعتبارها المكان الذي يحتمل التأجيل، وهو ما يثبته الواقع.
ما يحدث أيضاً في شركات مساهمة تعرضت لوقف التداول في الماضي، هو أن صغار المستثمرين هم الذين أصبحوا يديرون هذه الشركات كأنهم المستثمرون الكبار الذين تركوا أسهمهم للبنوك نتيجة الحجوزات، أو انصرفوا إلى أعمالهم وتركوا حصصهم التي لم تعد ذات قيمة في ميزانياتهم الشخصية، بحكم نظرتهم لواقع الشركات المسمومة. بذلك، بات صغار المستثمرين يحاولون جاهدين تحقيق شيء ما، بما يشبه حالة الانفلات التي تعاني منها تلك الشركة. فالواقع والأحلام شيئان مختلفان. وهنا يكمن دور السلطات الرقابية؛ ليس لاسترجاع على ما ذهب، وإنما الحفاظ على ما تبقى من شركات مساهمة مدرجة في السوق وجيدة، إذ إنها تتداول دون قيمتها الحقيقية، لأن المستثمر في الخارج ينظر إلى بورصتنا وكأن جميع شركاتنا مسمومة، بسبب ما سمع أو قرأ عنه، وليطغى هذا الانطباع على المشهد الكلي.
الحديث ذو شجون، وله بقية، علَّنا نتلمس الضوء نحو مرحلة إعادة الثقة للاستثمار في الشركات المساهمة العامة.

التعليق