د.باسم الطويسي

أموال "الضمان" والثقة العامة

تم نشره في السبت 22 آب / أغسطس 2015. 12:07 صباحاً

في الوقت الذي كان الأردن ينتزع قرار التحكيم لصالحه في قضية ادعاء شركة قطرية استملاكها حصة صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي في بنك الإسكان، وهي القضية الشهيرة التي شغلت الرأي العام الأردني منذ أكثر من عامين، استمرت التسريبات الإعلامية حول صفقات غامضة وأطماع بأموال "الضمان الاجتماعي" تدور حولها أسئلة مشروعة. فما يزال المجتمع الأردني يزداد قلقا كل يوم على مستقبل أمواله التي أودعها في ذمة مؤسسة الضمان الاجتماعي، وسط زخم لا يتوقف من التسريبات والقصص حول صفقات وشبهات تحتاج من إدارة "الضمان" إلى ثورة حقيقية في إدارة الشفافية.
قرار التحكيم الصادر في سويسرا الخميس الماضي، في واحدة من أعقد وأغرب قضايا النصب المالي، يعد من دون شك خطوة مهمة في سعي الدولة إلى استعادة الثقة العامة التي تراجعت بشكل واضح خلال السنوات الخمس الأخيرة. وجاء الحراك الشعبي في العام 2011 ليكشف بجرأة عن الكثير من مكامن العطب والضعف التي قادت إلى هزة عميقة نالت الثقة العامة، وفي مرات عصفت بها.
الوجه القبيح للأداء العام لأي دولة أو كيان، هو الفساد المالي، وهو الأكثر استفزازا لمشاعر الرأي العام الأردني، والمصدر الأول لاهتزاز الثقة العامة. وقد استطاعت بعض مؤسسات الدولة مؤخرا، وبخطوات تدريجية، استعادة بعض ملامح الثقة العامة، ولاحظنا هذا التطور في بعض الإجراءات القانونية والأمنية التي هدفت إلى فرض قوة القانون في ملفات عديدة؛ مثل استعادة السيطرة على بعض المناطق الرخوة أمنيا، ووقف بعض الممارسات غير القانونية، واستعادة هيبة امتحان "التوجيهي"، وتحقيق إنجازات مهمة في ملف آبار المياه، كما ملفات أخرى تحققت فيها إنجازات، بعضها محدود، لكنها بالمجمل حسّنت، إلى حد ما، منسوب الثقة العامة، وأعادت شد حبال العلاقة بين الدولة والمجتمع التي استرخت وتهالكت كثيرا.
أولى مراحل ومؤشرات انهيار الثقة العامة في أي مجتمع، تبدو في اختفاء الصدقية في الحياة العامة؛ حينما لا تصدق الحكوماتُ المواطنين، وتسود ثقافة التستر والسرية، وتبرز الاختلالات في نظم تدفق المعلومات إلى المجتمع. أما المرحلة الثانية، فعنوانها افتقاد الثقة بالقانون وقدرة الدولة على تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات، ما يقود إلى بداية ظهور مؤشرات انفراط العقد الاجتماعي، وظهور جماعات تنازع الدولة احتكار القوة. وإلى هذا الحد تبقى قوة الدولة هي المسيطرة، لكنها ليست الحاسمة، فيما تتقدم حالة عدم الاستقرار. وفي المرحلة الثالثة، يتعمق فقدان الثقة بالقانون، ويمتد إلى فقدان الثقة بالمؤسسات والنظم العامة، مثل التعليم ومؤسسات التنشئة الاجتماعية، وتتعمق قوة الجماعات المرجعية الأولية، مثل الطوائف والجماعات الدينية والقبائل، والتي تبرز كقوة شبه منظمة تنازع الدولة في وظائفها الأساسية، وأهمها احتكار القوة. وفي المرحلة الأخيرة، تجتمع كل عوامل فقدان الثقة السابقة، وتحوّل الدولة من دولة الأمة إلى دولة العصابة، أي الانحلال والزوال.
لذلك، كانت قضية ادعاءات الشركة القطرية مسألة على درجة كبيرة من الخطورة والحساسية بشأن مستقبل الرهان على قدرة الدولة على إعادة بناء الثقة العامة. ولو حسمت هذه القضية بشكل آخر، لعصفت بقوة بكل الإنجازات الأخيرة.
لن نأتي بجديد إذا ما قلنا إن إدارة أموال "الضمان" تعد اليوم اختبارا حقيقيا لكفاءة الدولة، وبالتالي ثقة المواطنين بالإدارة العامة. ولا يمكن بأي حال الركون لما تحقق في زيورخ؛ فثمة أسئلة لا تتوقف من قبل الناس وقلق حقيقي حول أموال مؤسسة "الضمان". وثمة حاجة حقيقية وملحة لأن تطور إدارة المؤسسة قدراتها في الشفافية وتدفق المعلومات إلى المجتمع، فالشفافية هي الحل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أموال الضمان (م.احمد الطراونه)

    السبت 22 آب / أغسطس 2015.
    شكرًا دكتور علي تحليلك الشامل وأريد ان انبه انه يدور الان من قبل إدارة أموال الضمان دراسه لشراء حصة مايسمي بروناي وانتكاسة من عمل سابقا في شركة الفوسفات العزيزه ونظرًا لان شركة الفوسفات لم تعد رابحه علي عايد الاستثمار نظرا لاوضاع السوق العالميه ودخول منتجين كبار مثل للسعوديه والتي تبيع المنتج النهائي بأسعار لا يمكن ان تنافسها الاْردن هذا علاوة على ارتفاع كلّف الانتاج الأردني نظرا لنضوب الطبقات الغنيه ب خامس أوكسيد الفوسفور وارتفاع كلّف المواد الداخله في الانتاج مثل المتفجرات والأمونيا والكبريت وكلف المتعهدين الناتجه عن غلاء معدات التعدين وكلف النقل للطمم والعماله هذا بالاضافة للملف الإداريه ومجالس الإدارات التي كانت في السابق بعشرات الا لاف وأصبحت كلاين مما تقدم فاظن رأي الفني هو عدم شراء اسهم بروناي وأبقاءهم شركاء
  • »السؤال (Nyha Ahmad)

    السبت 22 آب / أغسطس 2015.
    لماذا لا يتم الكشف عن اصل كل الاشاعات التي تدور حول اموال الضمان ، ولماذا لا يكون هناك تقرير شهري عن احوال استثمارات الضمان يرد فيها على الناس ويتم ملئ فراغ المعلومات حتى لا تتاثر الاقاويل هذا في حالة كان موقفهم بالفعل قوي وصائب .
  • »دولة القانون هي الأساس (مواطن)

    السبت 22 آب / أغسطس 2015.
    دولة القانون المبني على احترام حقوق الانسان هي الأساس لأي أمة تسعى السير في ركاب الحضارة والتقدم لتبتعد عن الفقر والذل والانهيار كما نشاهد عن قرب في منطقتنا المنكوبة.
  • »نعم هذا صحيح (متابع2)

    السبت 22 آب / أغسطس 2015.
    نعم هناك قدر كبير من الضعف الواضح في الهيكيلية الشفافية للإدارات العامة في الدولة ولكن لا نغفل أيضا الدور السلبي للمواطن ذاته في تأليف ونشر الشائعات وتأويل الحقائق، وهذه ظاهرة باتت تشكل منعطفا بالغ الخطورة في المجتمع الأردني بقياس الأثار السلبية الناتجة عنها، فلا نكاد نسمع بخبر حتى نتسارع في نسج الأقاويل والتأويلات ونتسابق في نشرها والتباهي في معرفة تفاصيلها الدقيقة وكأن كل واحد منا هو جزء من القضية موضوع التداول وكل واحد منا هو الأصح فيما يطرحه وكل واحد منا هو الذي يعرف أكثر وكل واحد منا هو صاحب الحل الأمثل لمعالجة القضية،
  • »السعادة والحبور (محمد عوض الطعامنه)

    السبت 22 آب / أغسطس 2015.
    ( السعادة والحبور ) عنوان تعليق محمد عوض الطعامنه على مقالة جريدة الغد المنشوره هذا الصباح بعنوان ( اموال الضمان والثقة العامه ) ...............................................................................لعل السعادة والحبور الذي يشعربه اليوم كل مواطن في هذا الوطن الذي كان يقتطع من راتبه النزير ، حصة في كل شهر يدخرها في مؤسسة الضمان لمستقبل اطفاله ، وهو يسمع خبر ان قرار التحكيم الدولي اثبت ان اولئك الذين دبروا مكيدة الإستيلاء على هذه الأموال كانوا لصوصاً دوليين بل اقليميين مثلنا عرباً تجمعنا بهم لحمة الدين والعروبة والمصير المشترك .
    ومع كل السعادة والحبور هذه ترجع بنا الذاكرة الى ما قبل سنتين عندما اعلن عن هذا الخبر الماحق ، يوم خفت موازين الناس وخفت معها قناعادتهم بعدالة وحرص دولتهم على اموالهم ، وبعدالة السماء .
    نعتب على كل الذين كانوا يوزعون التهم جزافاً من غير تبصر او قناعة ورويه ، حتى جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا. وعادت ثقتنا بدولتنا وحكومتنا الراشدة الرشيدة ، آملين ومنتظرين ان يمضي هذا الشهر حين يعلنون عن اولئك الغرباء الخونه الذين حاولوا وفشلوا في سرقة اموال اطفالنا ، وكيف سوف تتم محاسبتهم ومقاضاتهم في المحاكم الدولية العادلة .
    وشكراً ... شكراً للأردنيين الشرفاء الذين يثبتون للعالم كل يوم انهم ما يزالون اشبه بالشموع التي تبعث الضء في ظلام هذا الوطن الكبير .