البيوت تحتضن أسرار قاطنيها وتشاركهم خصوصياتهم

تم نشره في الاثنين 24 آب / أغسطس 2015. 12:00 صباحاً
  • هنالك علاقة وطيدة تنمو بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه - (أرشيفية)

ربى الرياحي

عمان- في ذلك الحي الصغير النائي قليلا عن ازدحام الشوارع الخانقة المكتظة بالسيارات، يقطن أبو محمد مع عائلته المكونة من خمسة أفراد في البيت الذي ورثه عن والده، والذي يحظى بمكانة خاصة عنده لكونه شاهدا على عمر بأكمله.
عمر يختزل فيه كل ما عاشه بحلوه ومره، هناك حيث شجرة الياسمين الكبيرة وبعض نباتات الزينة، يجد أبو محمد راحته وسعادته بعد أن تنازل عن تلك القناعة التي تجبره على مغادرة الحياة قبل الأوان، وتجاهل كل المشاعر الإنسانية الجميلة التي من الممكن جدا أن يختبرها فقط، لأنه تقاعد وأصبح بلا عمل يشغله ويزيد من ثقته بنفسه.
إحساس أبو محمد بالفراغ يقتحم روحه المحبة الصادقة، كان يدفعه دائما إلى الاهتمام بحديقته الكبيرة الواسعة كقلبه، لعله يستطيع بالمقابل تجديد نظرته للحياة والانفلات من قبضة اليأس الذي يصر على مداهمته باستمرار، ليتركه مكبلا عاجزا عن التفكير بمصلحة أبنائه وبحاجتهم الماسة له، معتقدا أن ما غرسه فيهم من قيم وأخلاق سيجعلهم أقدر على مقاومة مغريات الحياة والتصدي لتبعاتها التي غالبا ما تجردهم من إنسانيتهم بدون أن يشعروا.
ونسي أبو محمد أن قسوة الواقع والظروف العصيبة التي يعيشونها قادرة على أن تغيرهم من الداخل وتصنع منهم أشخاصا آخرين، وبخاصة عندما لا يجدون بجانبهم أبا متوازنا قويا يرشدهم ويثني على خطواتهم الواثقة الرصينة. الصدمة الكبيرة التي كانت تنتظر أبو محمد والتي لم يكن يتوقعها أبدا يوما ما؛ هي أن ابنه الأكبر مهدد بالسجن بسبب الديون المتراكمة عليه بعد أن تخلى عن مبادئه ورضي أن يكون عبدا للمال بأي وسيلة كانت غير آبه بتلك القيود والضوابط التي تربى عليها وبالوجع الذي سيحفره في روح والده المنهكة من كثرة الهموم والمآسي التي تجرعها على مدى سنوات عمره الطويلة، وما يزال حتى الآن يحصد مرارتها بدون أن يكون له ذنب في كل ما عاشه أو سيعيشه.
سيناريوهات كثيرة مؤلمة راودت عقل أبو محمد المشوش، الذي يحاول جاهدا إيجاد حل للتقليل من حجم الخسائر التي سيقدمها حتما، لكن للأسف جميعها كانت تحمل النتيجة نفسها التي كان يستبعدها دائما ربما لأنه في قرارة نفسه يرفض قطعا ذلك الخيار ويتعمد تجاهله.
فهو يعتبر أن مجرد التفكير في عرض بيته للبيع خيانة لذكرياته المتناثرة في تلك الزاوايا التي كانت تصغي لكل الأحاديث السرية الموجعة تارة والمفرحة تارة أخرى وإلى الضحكات المتعالية الحقيقية النابعة من القلب التي أضحت نادرة اليوم أو بالأحرى تفتقد للصدق والبراءة.
إدراك أبو محمد للحقيقة المرة القائمة على أن سعادة أبنائه وإخراجهم من الضيق الذي يعيشون فيه بسبب قلة المال مرهونة باستغنائه عن البيت الذي يرى فيه ماضيه وحاضره ومستقبله، جعله يقرر بيعه حتى وإن كان ذلك القرار سيكسره ويفقده ذكريات كثيرة يسعد باسترجاعها، ويتمنى أن تعود ولو قليلا ليسترق منها أجمل اللحظات التي تعيد إليه الأمل بالحياة محاولا بذلك التخفيف من وطأة الألم التي تصر على مطاردته.
هو يعرف جيدا أن هذا البيت جزء من روحه التي تدمن الوفاء، لكنه مع ذلك عاجز عن الاحتفاظ به لقلة حيلته ولأنه لا يملك فعليا سوى هذا الحل الذي سيدمي قلبه بقية عمره وتحديدا عندما تجبره خطواته على زيارته والاكتفاء بالنظر إليه من الخارج وكأنه غريب عنه وعن جدرانه القديمة المتهالكة التي ستبقى وفية له تحتضن همومه وأفراحه للأبد. تساؤلات كثيرة قادرة على أن تستثير أوجاعه ليس لقسوتها فقط، بل لعدم قدرته أيضا على تبرير كل الخيبات التي دفعت به إلى اتخاذ قرار مجحف كهذا، يسلبه الإحساس بالدفء والأمن والاستقرار.

life@alghad.jo

التعليق