ليست أقل حظا بل ضحية إداريا

تم نشره في الاثنين 24 آب / أغسطس 2015. 12:05 صباحاً

قديمة مشكلة المدارس التي لا أو لم ينجح فيها أحد، أو ينجح فيها عدد قليل من التلاميذ في امتحان الثانوية العامة. وترجع مقدماتها إلى العامين 1968 و1969، وكنت حينها رئيساً لأول قسم للتخطيط التربوي بعد عودتي من دراسة متخصصة في الموضوع.
في هذين العامين، قام القسم بوضع خطة شاملة تمتد سكانياً لعشرين سنة، جرى فيها تحديد المدارس الإعدادية المركزية التي سيصب فيها تلاميذ المدارس الابتدائية حولها، والمدارس الثانوية المركزية التي سيصب فيها تلاميذ المدارس الإعدادية المركزية حولها.
كنت أو كنا نرى أنه لا يمكن توفير معلمين ومعلمات متخصصين في موضوعات المدرسة، بغير هذا الترتيب المركزي. فأنت لا تستطيع توفير معلم رياضيات أو فيزياء أو لغة، لشعبة صف أول إعدادي أو أول ثانوي، حتى وإن اكتملت المرحلة في المدرسة، لأن عدد حصص الموضوع أو المادة الواحدة لا يكفي لتغطية برنامج المعلم الأسبوعي الذي لا يقل عن أربع وعشرين حصة.
عندما تسمح بترفيع مدرسة ابتدائية إلى إعدادية أو إعدادية إلى ثانوية بشعبة واحدة، فإن المدرسة تحصل بالتشكيلات المدرسية على معلم أو معلمين لتغطية حاجتها البشرية من المعلمين أو المعلمات، فيضافان إلى المعلمين/ المعلمات الموجودين، ويعاد توزيع الحصص عليهم، وبذلك يترفع المعلمون والمعلمات ولا يترفع التلاميذ/ التلميذات.
لكن المدرسة المركزية توفر العدد الكافي من الحصص في كل موضوع أو مادة، لتعيين معلم متخصص في هذا الموضوع أو المادة. وبما أن المدارس الفرعية قريبة من المدارس المركزية، فإن بإمكان التلاميذ الوصول إليها مشياً على الأقدام، كما كانت العادة جارية في تلك الأيام. وقد بدا لنا أن الوزير وأمين عام الوزارة باركا الخطة، فاندفعنا لإنجازها. لكن فيما كنا نقوم بذلك، فاجأنا وزير التربية والتعليم آنذاك بفتح عشرات المدارس الثانوية بقرار واحد في محافظة واحدة، فقلب خطتنا رأساً على عقب، وأصبحت بلا قيمة. ثم "كرت المسبحة" بسياسة الاسترضاء والانحناء إلى اليوم. أي إنه بدلاً من توعية الأهلين بالمزايا التربوية التي تعود على أبنائهم وبناتهم بالمدارس المركزية، فضل المسؤولون كسب الشعبية، أو عدم بذل قليل من الجهد لتوعيتهم.
طبعاً، رحب الأهلون في حينه -وربما مايزالون- بفتح هذه المدارس في أحضانهم. لكنهم صاروا يدفعون الثمن عاماً وراء آخر، وبأبشع تجلياته في الـ338 مدرسة التي لم ينجح من تلاميذها أحد في امتحان "التوجيهي" هذا العام، وعددهم 1137 تلميذاً وتلميذة؛ أي بمعدل يقل عن أربعة تلاميذ/ تلميذات للمدرسة.
أعتقد أن كلفة نقل التلاميذ من المدارس الفرعية إلى المدارس المركزية، ولو بسيارات التكسي، أقل كلفة من هذا التوسع الشكلي في التعليم. ويجب العودة إلى المدارس المركزية التي ستستقطب الأهلين وأبناءهم وبناتهم بقدراتها وبنجاحهم بها فيما بعد في امتحان "التوجيهي".
لقد تحول التوسع الشكلي في التعليم إلى فساد إداري؛ ففي بعض المدارس يزيد عدد المعلمين والمعلمات على عدد التلاميذ أو التلميذات ولا أحد يدري. وقد رافق هذا فساد إداري آخر قصم ظهر المدرسة، وهو الانفلات المدرسي الإداري؛ حيث لا دوامَ كاملا، ولا تعليمَ قائما أو دائما في كثير من مدارس الريف والبادية، على الرغم من وجود نحو أربعين مديرية للتعليم في طول البلاد وعرضها، محشوة بالعاملين الذين لا يقوم كثير منهم بواجباتهم بالمتابعة والإشراف. وإذا كان الأمر كذلك فإن سقوط جميع التلاميذ في تلك المدارس حتمي أو طبيعي.
الكل يتحدث عن ضرورة دمج المدارس المبعثرة، ولا أحد يدمجها؛ والكل يدعو إلى إصلاح التعليم، ولا أحد يصلحه؛ والكل يدعو إلى إعداد مسبق للمعلمين، ولا أحد يعدهم؛ والكل يدعو إلى العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، ولا أحد يعدل أو يساوي أو يكافئ.
وتأتي أسس القبول القائمة على المحاصصة والاستثناء و"الكوتات" لتعزز ذلك، وتزيد الطين بلة، وتمنع أي إصلاح تربوي للامتحان أو للتعليم العام والتعليم العالي، لأنه لا وزير ولا مجلس تعليم ولا حكومة يجرؤون على الاقتراب من هذه الأسس، مع أنها بالصيغة التي هي عليها تُضعف الولاء والانتماء والوحدة الوطنية سنوياً بمقدارها في كل عام. وهو ما يستدعي تدخل جلالة الملك لتصحيح هذا الوضع الشاذ، أي تحرير التعليم من عبودية هذه الأسس. فالامتيازات ليست حقوقاً لتبقى، ولكنها كلما طالت صارت كذلك، وصعب وقفها أو إلغاؤها. وإلا فإن المحاصصة والاستثناءات و"الكوتات" يمكن أن تكون مقبولة بشرط أن من يُقبل بالتنافس من أصحابها يصبح مبعوثاً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحل السحري (مغترب)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2015.
    اذا تكلمت فاسمع واذا ضربت فاوجع..لماذا لا تقوم بذكر اسم الوزير الذي تجاهل الخطة التربوية، لربما لديه اسباب وجيهة لقرار فتح مدارس بالجملة. شكرا على الموضوع الجميل. لكن الطرح ليس بجودة ما اعتدنا عليه من الكاتب المحترم. يا حبذا لو تم ذكر المبالغ المهدورة نتيجة التخبط الاداري. لاضافة عنصر التشويق!!