لأنه كان محقاً إزاء حرب العراق.. أصبح اليسار البريطاني لا يطاق

تم نشره في الاثنين 31 آب / أغسطس 2015. 11:00 مـساءً
  • مظاهرات معادية لحرب العراق في بريطانيا - (أرشيفية)

سارة ديتوم - (ذا نيو ستيتسمان) 24/8/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كنت محقة بخصوص حرب العراق في العام 2003. ظننت أنها كانت فكرة سيئة، وكانت كذلك بالفعل. ولوقت طويل، كانت هذه الحقيقة مهمة جداً بالنسبة لي. ومنذ أواخر العام 2002 وحتى بداية الأعمال العسكرية، كان احتمال الحرب، وما إذا كان بالإمكان تفاديها، هي هاجسي المرشد في حياتي. وقد استنفدت كل الأخبار التي استطعت الوصول لها، متصيدة كل الإمارات والمؤشرات على ما سيأتي تالياً. كنت في الحادية والعشرين من العمر، وكنت طالبة وأما لطفل، ولم أحفل بشيء قبل ذلك. كانت المخاطر كبيرة جداً وكان الموضوع واضحاً جداً على نحو مذهل. وبالطبع، لم يكن تنظيم القاعدة موجوداً في العراق. وبالطبع، كان الموضوع يدور كله حول النفط في الحقيقة، وهناك عمل عائلة بوش غير المنتهي، وغير ذلك من الضغوطات الدولية الأخرى التي يصعب وصفها، والتي لم تكن بالتأكيد "معاداة للسامية"، حتى يتم بحثها أساساً.
كان خطأ الحرب، وصحة وجهة نظري حول ذلك الخطأ، أموراً تهمني كثيراً -ليس أثناء عملية التحضير للغزو وحسب، وإنما لأعوام أعقبت ذلك. وقد رسم الانقسام بين دعم الحرب ومعاداتها خطاً حاداً في عموم العالم بين ما ضاع وما يتم إنقاذه. ولبقية العقد، كنت أحكم على أعضاء البرلمان من خلال سجل تصويتهم على حرب العراق؛ وعلى الصحفيين من خلال تغطيتهم للعراق؛ وعلى النشرات من خلال خطها التحريري عن العراق. وكان اليقين الأخلاقي لتلك الفترة مباركاً. ولا أعتقد أنني كنت الوحيدة في هذا الشأن: لقد كان كونهم محقين بخصوص العراق قد أعطى قسماً كاملاً من اليسار البريطاني إحساساً بالتفوق المتحمس واللامع.
يصح هذا بشكل خاص على الجزء من اليسار الذي شعر عموماً بأنه محيد من جانب حزب العمال الجديد. وعلى نحو غير متساهل، قد يصف المرء هذا بأنه جزء اليسار الذي لم يعرف كيف يكسب. ويشمل ذلك فصائل اليسار المتشددة التي ما تزال دائماً -وبصراحة- غير شعبية. كما يتضمن أيضاً الكثير من الناس مثلي، من الذين كانوا شباباً بما يكفي لكي لا يعرفوا أبداً حزب العمال كحزب حكومة قبل العام 1997- أناس كان دعم العمال بالنسبة لهم مرادفاً لمعارضة الحزب الحاكم. ومتى ما كان تجسد فكرة المقاومة لديك للحكومة هو الحكومة، فماذا كنت لتفعل؟ سوف تشعر بخيبة أمل مؤلمة وعميقة، مرة تلو الأخرى، كما تبين. لم يكن إرث فترة بلير غير مختلط، لكنه من الأسهل -والأسهل كثيراً- أن تكون محقاً حول كل شيء عندما لا يترتب عليك تفعيل سياساتك الخاصة.
من حسن الطالع أن الخسارة شكلت شعوراً أشبه بالوطن، لأن الخسارة بسبب حرب العراق كانت بغير ذلك محزنة على نحو بائس. وأتذكر أنني شاركت في مسيرة لوقف الحرب في شيفيلد، وأتذكر أيضاً أنها كانت تمطر رذاذاً وكان يوماً محبطاً بينما كنا نتنقل حول بركة باركر، حيث كنت أدفع بيد عربة طفل، وأحمل طفلي الباكي باليد الأخرى. وأتذكر تفكيري حينذاك: "إننا لن نوقف أي شيء. لقد حدث الأمر أصلاً". وأتذكر سماع شيء ينزلق من فوق مكبر للصوت، شيء ما عن إسرائيل لدرجة أنني شعرت بالراحة تماماً. لكن المعاداة للصهيونية عندها لم تكن معادياً للسامية. أولم يكن مهماً أن يكون المرء قادراً على الشك في إسرائيل؟
كنت محقة في أن قضية الحرب كانت سيئة وملفقة. كانت هناك قضية للحرب -ربما كانت كافية وربما غير كافية. كان صدام حسين وحشياً. فقد قتل وقتل وقتل. ولم يكن الاختيار بسيطاً أبداً بين خير عدم التدخل وبين شر التدخل؛ عدم القيام بشيء وترك دكتاتور يمارس الإبادة الجماعية كان شراً أيضاً، وحقيقة أن ما تم فعله تم بشكل سيئ لم يغير ذلك. وراهناً، فإنه من الواضح بشكل دموي مرعب أنه بالكاد تم التفكير بخطة لعراق ما بعد الغزو، لكنني لا أعتقد بأن اليسار المعادي للحرب كان عليه أن يرتاح كثيراً لذلك. كان من الأفضل كثيراً لو كان المرء مخطئاً. وكان من الأفضل كثيراً في الحقيقة أن يثبت أننا كنا على خطأ -لتحويل الطاقات السياسية من العمل لوقف الحرب (أو كوننا محقين في أن الحرب ما كان يجب أن تُشن أصلاً) والانتقال إلى بناء خطة لعراق ما بعد صدام.
لكن هذا لم يحدث. كنت محقة، وكوني محقة لم يساعد أحداً، ولم يخفف من أي عنف ولم ينقذ أي أرواح. لا بل إنه، ساعد شخصاً واحداً، أعني أنا -ساعد من خلال منح عالمي شعوراً براقاً بالصواب والخطأ، ما كان سيصنع عالماً مرتبكاً أخلاقياً بغير ذلك وأسهل أكثر على الإبحار فيه. وقد استغرق الأمر حتى العام 2012 حتى يقتل مبررو الاغتصاب من أنصار "أسانج" ذلك اليقين في داخلي. لكن مع حلول العام 2010 بدأت في الضعف. ولو أن الأمر لم يكن حول ذلك بالضبط (لقد أردت أن يصبح إ ميليباند زعيما لحزب العمال في جزء منه لأن مهنته البرلمانية القصيرة عنت أنه لم يتأثر بسبب العراق). كنت بالتأكيد أتطلع قدماً لتجاوز هذه المسألة، وأملت بأن يتيح صعود ميليباند المجال أمام الانفصال عن التاريخ الحديث لحزب العمال الذي أضر به خوض الحر.
هذا الأمر، كنت مخطئة بشأنه. إن اليسار لم يقترب حتى مجرد اقتراب من الانتهاء من الثقة المريحة التي يوفرها نظام قائم على أخلاقيات العراق –على سبيل المثال، مؤسسة "عدسة الإعلام"، بينما تزعم بأنها تنتقد انحياز شركات الأخبار، هي منخرطة عملياً إلى حد كبير في مشروع لا نهاية له لفصل الأغنام المعادية للحرب عن الخراف التي ينبغي تطهيرها والتخلص منها. إن العراق هي جزء من سبب صعود كورباين السهل: إنه نظيف من لطخة الحرب. وحقيقة أن أرصدته من معاداة الحرب قادته إلى الارتباط بمنكري المحرقة والأشياء الشبيهة ليست مهمة، عندما يستطيع أن يعد بتقيم اعتذار عن حرب العراق -أخيراً، ثمة سياسي راغب بقول: آسفون، عن قرار لا يتحمل مسؤولية عنه، ويكسب الفضل بلوم أسلافه. هذه هي السياسة الجديدة التي كنا كلنا في انتظارها. إن كون المرء محقاً بشأن العراق، في نهاية المطاف ليس أساساً جيداً بما يكفي للحياة السياسية. وكلما طال أمد تصرف اليسار كما لو أنه كذلك، اقتربنا أكثر من التكرار الممل والموت.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Being right about the Iraq war has made the left insufferable

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق