الهجرة بعيداً عن صيغة الأزمة

تم نشره في الخميس 10 أيلول / سبتمبر 2015. 11:00 مـساءً

آنا بلاسيو*

مدريد - على مدى السنوات السبع الأخيرة، كانت أوروبا في وضع الأزمة بلا انقطاع تقريباً. فمن أوكرانيا إلى اليونان، قادت الأحداث القارة من الرمضاء إلى النار، ومن سيئ إلى أسوأ، مع كل ما صاحب ذلك من مؤتمرات القمة، والإعلانات، وسياسة حافة الهاوية. والآن، حلت أزمة الهجرة -وهي الأزمة التي من غير المرجح أن تحل في المستقبل المنظور- التي تسترعي اهتمام الاتحاد الأوروبي. ولكن، إذا كان لأوروبا أن تستجيب بفعالية، فيتعين عليها أن تتجاوز صيغة الأزمة لكي يتسنى لها أن تفهم حقيقة ما تواجهه وما تريد تحقيقه.
لا جدال في أن قضية الهجرة تستحق تركيز الاتحاد الأوروبي. فليس الأمر أن تدفقات المهاجرين إلى أوروبا تحطم الأرقام كافة المسجلة حتى الآن من شهر إلى الذي يليه فحسب؛ بل إن نقاط الدخول الأولية تتغير أيضاً. ومن ناحية أخرى، أصبح من الصعب على نحو متزايد التمييز على الإطلاق بين الخطوط الضبابية مسبقاً بين طالبي اللجوء السياسي، واللاجئين، والأشخاص النازحين، والمهاجرين لأسباب اقتصادية محضة.
إن الظروف الخطيرة المحيطة بالرحلة التي يقطعها المهاجرون تشكل أزمة إنسانية خطيرة. فمنذ بداية هذا العام، توفي ما يقرب من 2500 إنسان وهم يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط، ناهيك عن المشاهد المروعة مثل اكتشاف 71 جثة متحللة في شاحنة مهجورة في النمسا مؤخراً. هذا فضلاً عن آلاف آخرين يقبعون في مخيمات مؤقتة بأقل قدر من الدعم، أو بلا دعم على الإطلاق.
ولكي يزداد الطين بلة، نشهد سلسلة متواصلة من أعمال العنف المتعلقة بالهجرة في مختلف أنحاء أوروبا، من هجمات الإحراق المتعمد لأماكن إيواء اللاجئين المخططة في ألمانيا، إلى وحشية الشرطة ضد المهاجرين في مقدونيا والمجر. وأصبح ميناء كاليه بمثابة نقطة العبور الخانقة في الأزمة، حيث يحاول المهاجرون باستماتة شق طريقهم والوصول إلى الشاحنات أو القطارات المتجهة إلى المملكة المتحدة.
الواقع أنها حالة "طوارئ" بامتياز، والتي استدعت الاستجابة من الاتحاد الأوروبي. فضاعف الاتحاد الأوروبي ميزانية "العملية تريتون" المصممة لتعزيز أمن الحدود إلى ثلاثة أمثال؛ وأطلق عملية بحرية شملت حدود الاتحاد الأوروبي كافة ضد مهربي وتجار البشر في البحر الأبيض المتوسط؛ وخصص أرصدة مالية إضافية للبلدان الأعضاء التي أربكتها تدفقات الهجرة على الخطوط الأمامية.
كما تحركت بعض البلدان الأعضاء بشكل فردي. وكان أبرز هذه التحركات من ألمانيا، التي بالرغم من أنها تواجه احتمال وصول 800 ألف طالب للجوء هذا العام، أوقفت العمل بما يسمى لائحة دبلن للاتحاد الأوروبي، والتي كان تفعليها ليؤدي إلى ترحيل الآلاف من اللاجئين السوريين.
غير أن هذه التدابير، بالرغم من كونها مفيدة، ليست كافية على الإطلاق. بل إنها تُعَد أمثلة لصناعة السياسات في صيغة الأزمة، والتي تميل إلى تفضيل التدابير المؤقتة التي تبدو مبهرة (ناهيك عن التصريحات النبيلة التي لا تعدو كونها إعلانات جوفاء أو مبالغات)، بدلاً من الحلول الحقيقية. فمن خلال السماح لقادة الاتحاد الأوروبي بتجنب الإقرار بالطبيعة طويلة الأجل لتحدي الهجرة، يؤشر هذا النهج على إضعاف الدافع إلى القيام بعمل جماعي. والواقع أن الإحجام عن التعاون كان شديد الوضوح في اجتماع مجلس الاتحاد الأوروبي للعدالة والشؤون الداخلية الذي انعقد في الشهر الماضي؛ حيث أخفق الممثلون في إنتاج أي ترتيب للكيفية التي ينبغي بها توزيع العدد الضئيل الذي لا يتجاوز 40 ألف مهاجر، والذين وافق المجلس الأوروبي على قبولهم في حزيران (يونيو).
سوف تستمر ضغوط الهجرة لفترة طويلة. ذلك أن العوامل التي تدفع مئات الآلاف من البشر إلى المجازفة بكل شيء للوصول إلى أوروبا بعيدة كل البعد عن الحل. ما تزال العراق وسورية غارقتين في العنف والفوضى؛ ووقعت أريتريا في قبضة نظام قمعي؛ وأصبحت ليبيا دولة منهارة. أضف إلى هذا ضعف الحكم أو غيابه في أغلب أفريقيا (والتهديدات الأمنية والعواقب الاقتصادية القاتمة المصاحبة)، بحيث يصبح من الصعب للغاية أن نتصور كيف قد يتباطأ هذا السيل من المهاجرين.
إن الفرصة في حياة أفضل -أو أي حياة على الإطلاق- لا تقاوم بالنسبة للبشر المحاصرين في هذه المناطق. ومهما كانت الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي قوية، وإن كان تحسين تدابير المراقبة والرصد وتسيير الدوريات مطلوباً بطبيعة الحال- فإن تدفق المهاجرين سوف يستمر إلى أن يطغى على طاقة احتمالها، وهو ما من شأنه أن يعرض للخطر الانفتاح الذي يشكل عنصراً أساسياً في توحيد أوروبا، بدءاً بمكاسب اتفاقات شينغن، والتي تضمن حرية الحركة، من دون أي ضوابط حدودية، بين بلدان الاتحاد الأوروبية الستة والعشرين.
إذا كان لأوروبا أن تتكيف مع تحدي الهجرة، وأن تنجح في تصميم حلول واقعية ومثمرة تستجيب لدعوة رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر إلى التحلي بما أسماه "الشجاعة الجماعية"، فيتعين عليها أن تستهدف الأسباب الجذرية وراء موجة الهجرة الحالية. وبشكل خاص، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يدعم إصلاح الإدارة والحكم، والتنمية الاقتصادية، وترسيخ الأمن الإنساني الأساسي في البلدان التي يفر منها المهاجرون.
وفي الوقت نفسه، تبقى الجهود مطلوبة لتعزيز الردع قُرب حدود أوروبا على المسالك المؤدية إليها، من خلال إنشاء الشراكات مع بلدان المصدر والعبور الرئيسية. ولا بد أن تفتح قنوات الهجرة الشرعية لأولئك الذين يستحقون الحماية بموجب القانون الدولي أو يمتلكون من المهارات ما قد يفيد المجتمعات الأوروبية. أما بالنسبة للمهاجرين الذين يصلون إلى أراضي الاتحاد الأوروبي ولا يستحقون الحماية القانونية الدولية ويفتقرون إلى مثل هذه المهارات الحيوية، فيجب إنشاء أنظمة لإعادتهم إلى أوطانهم. وسوف يتطلب كل هذا تحديث التصنيفات القانونية للمهاجرين، فضلاً عن تقاسم الأعباء داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يغيب بشكل صارخ في اللحظة الحالية.
إن الاتحاد الأوروبي لا يملك ببساطة ترف الانتظار حتى تنتهي أزمة الهجرة الحالية من خلال تنفيذ تدابير مجزأة ومذعورة على أمل أن تُحَلّ المشكلة من تلقاء ذاتها في نهاية المطاف. والمطلوب هو الدراسة المتأنية لأفضل كيفية لإيجاد التوازن بين الضرورات الإنسانية والمخاوف الأمنية، وبين الرفاهة الاجتماعية المحلية والالتزامات القانونية الدولية، وبين واجبات البلدان الأعضاء تجاه بعضها بعضا ومسؤولياتها تجاه مواطنيها. وعندئذ فقط يصبح بوسع الزعماء تصميم الاستراتيجية المدروسة الشاملة والمتطلعة إلى المستقبل التي نحتاج إليها لحل أزمة المهاجرين، بل ونحتاج إليها لضمان بقاء الاتحاد الأوروبي نفسه.

*وزيرة سابقة للخارجية الإسبانية ونائبة رئيس سابقة للبنك الدولي، عضو مجلس الدولة الإسباني، ومحاضرة زائرة في جامعة جورج تاون، عضو مجلس أجندة المنتدى الاقتصادي العالمي حول الولايات المتحدة.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق