منجز أوباما السوري

تم نشره في الخميس 10 أيلول / سبتمبر 2015. 11:00 مـساءً
  • لقطة من فيلم بثه "داعش" لتدميره معبد بعلشمين في مدينة تدمر السورية - (أرشيفية)

فريد هيات *– (الواشنطن بوست) 6/9/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ربما يكون هذا هو أكثر مكونات إرث العلاقات الخارجية للرئيس أوباما إدهاشاً: ليس كونه ترأس كارثة إنسانية وثقافية ذات أبعاد مصيرية فحسب، وإنما كونه تمكن من تخدير مشاعر الشعب الأميركي، بحيث لم يعودوا يشعرون بأي مسؤولية عن المأساة.
كانت المجاعة في بيافرا قد أثارت حركة احتجاجات قوية هنا قبل جيل من الآن. وقامت المعابد والكنائس قبل نحو عقد بالتعبئة من أجل تخفيف البؤس والمعاناة في دارفور السودانية. وعندما دمرت حركة طالبان تماثيل بوذا القديمة في باميان في العام 2001، أصيب العالم بالروع حسرة على ذلك التراث الضائع.
واليوم، تقوم مجموعة "الدولة الإسلامية" بنسف المعالم الثقافية التي لا تقدر بثمن في تدمر، ويتم تشريد نحو نصف مجموع السكان السوريين -كما لو أن 160 مليون أميركي، على أساس تناسبي، قد أصبحوا بلا مأوى. ويُقتل أكثر من ربع مليون شخص هناك. ومع ذلك، لم يتم استبدال شاخصات "أنقذوا دارفور" بيافطات "أنقذوا سورية".
أحد الأسباب وراء ذلك هو أن أوباما -الذي خاض انتخابات الرئاسة على وعد استعادة المكانة الأخلاقية للولايات المتحدة- طمأن الأميركيين باستمرار إلى أن عدم فعل شيء هو السياسة الذكية والأخلاقية. وفي بعض الأحيان، قال أنه ليس هناك شيء يمكن للولايات المتحدة أن تفعله، وقلل من شأن المعارضة السورية حين وصفها بأنها "أطباء سابقون، ومزارعون، وصيادلة وما إلى ذلك".
وقال أيضاً إننا سوف نجعل الأمور أسوأ فقط بتدخلنا هناك. وفي تصريح لمجلة "نيوريبابليك" في العام 2013، قال الرئيس: "ربما أكون أكثر وعياً من المعظم -ليس فقط بحقيقة قوتنا وقدراتنا التي لا تصدق، وإنما بمحدداتنا أيضاً".
كما ألمح دائماً إلى الفكرة التالية: لأننا لا نستطيع حل كل مشكلة، فإنه ربما يترتب علينا أن لا نحل أي مشكلة. وتساءل: "كيف يمكنني أن أوازن بين عشرات الآلاف الذين قد قتلوا في سورية مقابل عشرات الآلاف الذين يقتلون حالياً في الكونغو؟" (مع أن الآلاف لم يكونوا يقتلون في الكونغو في ذلك الوقت).
في تلك المناسبات النادرة، عندما هدد الضغط السياسي أو ويلات المعاناة السورية باكتساح أي عذر للتقاعس عن العمل، وعد أوباما بالعمل في تصريحات أو تسريبات من البيت الأبيض: توفير التدريب للمعارضة، إنشاء منطقة آمنة على الحدود التركية. وبمجرد أن ينصرف الانتباه العام، يتم التخلي عن تلك الخطط أو تقليصها إلى حجوم لا معنى لها (تدريب 50 جندياً في العام، وعدم اتخاذ أي إجراء على الحدود التركية).
على نحو متناقض، كلما أصبح الوضع في سورية أسوأ، بدا بقاء الرئيس بمعزل عن التصرف هناك مبرراً أكثر؛ أصبحت الخطوات التي ربما كانت ستساعد في العام 2012 غير فعالة بحلول العام 2013، والإجراءات التي يمكن أن تكون منقذة للحياة في العام 2013 لم تعد ترقى إلى مستوى التحدي الذي عرضه العام 2014. والواقع أن المرأة التي كتبت كتاباً عن الإبادة الجماعية سامانثا باور، والمرأة التي شنت حملة للمطالبة بقصف السودان من أجل إنقاذ شعب دارفور سوزان رايس، استطاعتا البقاء بضمير مرتاح -كسفيرة في الأمم المتحدة ومستشارة للأمن القومي، على التوالي- فأضفتا المزيد من المصداقية الأخلاقية على المزيد من تنازلات الولايات المتحدة.
لعل الأهم من ذلك هو أنه تم بيع التقاعس عن العمل، ليس بوصفه شراً لا بد منه، وإنما باعتباره إنجازاً يستحق الإشادة: لقد أصبحت الولايات المتحدة أخيراً تقود بالرأس، وليس بالقلب؛ وبالتواضع، وليس بالغطرسة. وأشار "الواقعيون" إلى أن الولايات المتحدة تقع في ورطة عندما تجعل المُثل أو العواطف هي التي تحكم -عندما تقوم بإرسال الجنود لإطعام الجياع في الصومال، على سبيل المثال، فقط لتفقدهم، كما قيل في فيلم "بلاك هوك داون"، وليولوا الأدبار.
كان الواقعيون محقين في أن على الولايات المتحدة أن تنظر في المصالح بقدر ما تنظر في القيم، وأنها يجب أن تضبط إيقاعها الذاتي، وأنه لا يمكنها إنقاذ الجميع. لكن أي حجة خالية من القيم يجب أن تكون قادرة على الأقل على إظهار أن الغاية قد تبرر الوسيلة، في حين كانت النتائج الاستراتيجية لفك ارتباط أوباما كارثية بقدر ما كانت عواقبه الإنسانية مأسوية.
عندما سحب أوباما كل القوات الأميركية من العراق، خشي النقاد من احتمال أن يكون هناك عدم استقرار في البلد؛ ولم يستشرف أي منهم ظهور دولة إرهابية كاملة هناك. وعندما أعلن في آب (أغسطس) 2011 أن "الوقت قد حان ليتنحى الرئيس الأسد"، خشى النقاد من احتمال أن يثبت كون هذه العبارة فارغة -ولكن قلة منهم استشرفوا حجم الكارثة: ليس مجرد الوحشية المتمثلة في استخدام الأسلحة الكيميائية و"قنابل البراميل"، وإنما أيضاً قيام مجموعة "الدولة الاسلامية" بتجنيد الآلاف من المقاتلين الأجانب، وانتشارها من ليبيا إلى أفغانستان، وزيادة منسوب الخطر على الوطن الأميركي الذي كان قد أثار قلق مسؤولي الاستخبارات الأميركية، وأزمة اللاجئين الذين يزعزعون استقرار أوروبا.
مع ذلك، وحتى لو أن سياسة أوباما نجحت بالمعايير الواقعية البحتة، فإننا سرنا شيئاً في عملية تخدير الرأي العام للولايات المتحدة. نعم، كان الغضب في البلاد على مدى العقود متفاوتاً، وفي بعض الأحيان منافقاً، وفي أحيان أخرى خادماً للذات.
لكنه كان هناك أيضاً شيء يثير الإعجاب في تصميم الولايات المتحدة على المساعدة -أن نسأل: حتى لو أننا لا نستطيع إنقاذ الجميع في الكونغو، ألا يمكننا إنقاذ البعض في سورية؟ لم يكن قلب أوباما الناجح لهذا السؤال رأساً على عقب شيئاً يمكن الافتخار به.

*هو محرر صفحة الرأي في صحيفة الواشنطن بوست. يكتب الافتتاحيات للصحيفة وعموداً كل أسبوعين يُنشر يوم الاثنين.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Obama’s Syria achievement

التعليق