بطالة النخب..وغبار الطائفية

تم نشره في السبت 12 أيلول / سبتمبر 2015. 11:04 مـساءً

لا يوجد بلد في العالم يفرّخ وزراء ورؤساء وأعيانا ونوابا ومديرين وزعماء كما نفعل نحن، ففي بلادنا خط سير سريع فقط يمكن أن ينقلك من مدير مطعم أو سكرتير أو موظف علاقات عامة أو تاجر حصمة لتصبح نائبا او وزيرا او صاحب سلطة دون اشتراطات الخبرة أو التأهيل أو النظر إلى السيرة الذاتية. العشرات من مقاولي الإنشاءات والمتقاعدين والموظفين والشباب الذين سئموا العمل الروتيني وأبناء أصحاب النفوذ والمقربين من صناع القرار تحولوا إلى نواب ووزراء ومديرين عامين بين ليلة وضحاها.
ثقافة التوزير والعبث في إرادة الناخبين وهندسة نتائج الانتخابات وتيسير وصول البعض إلى الموقع العام عبر الخطوط والتحويلات السريعة ظهرت بشكل لافت في بداية التسعينيات وتسارعت وانتشرت في مطلع الألفية الثالثة، وأصبحت تلقي بظلالها على البناء السياسي للدولة ومكونات النسيج الاجتماعي والعلاقات الجديدة بين المكونات القبلية والعرقية والطائفية والجهوية للمجتمع الأردني والمزاج العام.
في هذه الأجواء التي اختلت فيها المعايير وتدهورت القيم واشتعل التنافس بين الجماعات والمكونات على أسس ترتبط بالاستحقاق والمحاصصة أكثر من ارتباطها بالخدمة العامة والنزاهة والكفاءة التي ألفناها منذ تأسيس الدولة، وخلقت احتراما للمؤسسات وهيبة للدولة أبقت على مكانتها ومصداقيتها.
السياسات الإرضائية ومحاولات فرملة التغيير من خلال استبدال أطقم اللاعبين اتخمت المجتمع بأعداد أصحاب الدولة والمعالي والسعادة والعطوفة الذين أصبح يعج بهم فضاؤنا العام، ليصبح لدينا ما يزيد على 16 رئيس وزراء حيا و قرابة الـ 300 وزير متقاعد ومئات الأعيان والنواب ممن أمضوا سنوات من عمر المجالس السبعة الأخيرة التي لم يمضِ بعضها المدة التي انتخب لها.
اليوم يتطلع الساسة المتقاعدون ومئات الجنرالات والمديرين العامين والمستشارين السابقين ممن لا مهنة لهم على الأوضاع القائمة ويوظفون خبراتهم السابقة وما لديهم من معلومات لتغذية حالة الاستقطاب وربما التوتر الذي يدفع بالكثير من الفئات للشكوى والنقد والتظلم.
الفلتات التي تأتي على ألسنة السياسيين والمتقاعدين وبعض قيادات المجتمع المحلية تُستقبل من الفئات الغاضبة الأخرى بالكثير من التشنج وردات الفعل التصعيدية، مما يجعل فضاءنا مرشحا لتراشق مكوناته بالنقد والتجريح والإساءات التي لا تفضي لغير مزيد من القلق والتوتر وربما الصراع.
افتعال القصص وتطويقها تكتيك نجح في استخدامه البعض في لفت الانتباه لوجودهم على مسرح الاحداث ومكّنهم ومن وراءهم من إضعاف احتمالات المعالجة القانونية للأخطاء وتمرير الكثير من القرارات غير الرشيدة من خلال التداخل بين الاستجابات القانونية والإجراءات الإرضائية التي أصبحت مظهرا من مظاهر معالجة الأخطاء والجرائم في دولة تنادي بسيادة القانون.
الحد من منسوب الاستفزاز الذي يطفو على سطح حياتنا ويلون علاقات المجموعات والمكونات ويفضي إلى الاستقطاب والتوتر يحتاج الى الكثير من الجهد الموجه إلى السياسات والبرامج التي تتناول العدالة والتوازن وتعالج جذور الإحباط والكراهية.
محدودية الاستخدام للطاقة المعطلة لمئات السياسيين والخبراء وتهميشهم من قبل السلطات سبب اساسي في لجوء البعض لاستخدام عبارات وتصريحات ومواقف تثويرية تغذي الكراهية العرقية والطائفية والجهوية ولا تخدم أمن المجتمع واستقراره.
بعض العاملين في مؤسسات الدولة يلجأون لتكتيك التجييش لأسباب انتخابية أو شعبوية أو لبناء سيرة ذاتية بعد أن شارفوا على إنهاء رحلتهم المهنية دون أن يتركوا أثرا يذكر.

التعليق