علي العامري: مغارة الفار.. مكاني الفردوسي للعزلة

تم نشره في الأحد 13 أيلول / سبتمبر 2015. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 17 أيلول / سبتمبر 2015. 11:05 صباحاً
  • الشاعر والفنان التشكيلي علي العامري - (الغد)

عزيزة علي

علي العامري.. حارس الرؤى والغيم، عاشق الجبل.. يود أن يعود إلى “مغارة الفار”، يضيء فيها عزلته، برفقة أوراق وأقلام وألوان وثلاثة كتب.. فهي مكانه الفردوسي للعزلة وشرفته الجبلية على الطفولة والحلم والحرب معا.
• أي الأمكنة التي تجتاحك رائحتها الآن، وترغب في أن تقضي عزلة مؤقتة فيها؟
المكان الأول الذي يخطر في بالي للعزلة الاختيارية هو مغارة في جبل بين قريتين في الأغوار الشمالية، هما القليعات شاهدة طفولتي، ووقاص شاهدة ميلادي، وشاهدة التهجير القسري لأهلي من بيسان العام 1948، إثر الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
مغارة الفار، كما يسميها الأهالي، هي مكاني الفردوسي للعزلة؛ إذ إن رائحة نبتة الفيجن “الفيجل” تمثل ذاكرة ترافقني، فأينما شممت رائحتها، أو ورد اسمها، سرعان ما تفتح تلك الذاكرة شرفتها الجبلية على الطفولة والحلم والحرب معا.
تلك المغارة كانت فما جبليا يطلق صرخة برية لا تنتهي، كما يطلق نداء عميقاً لسيرة النهر، نهر الأردن، الشاهد المائي على سيرة المسيح وعذابات الفلسطيني، كما أنه الشاهد المحروس بأشجار الحلفاء والطرفاء وشجيرات الدّفلى تطل على جبال فلسطين ومرج ابن عامر المبسوط مثل يد خضراء، وبحيرة طبريا التي تبدو مثل مرآة دامعة في الصباح، كما تشرف على بحيرة الحولة التي جففها الاحتلال لاحقاً. هذا المشهد كان جزءاً من يوميات الطفولة، حتى من بيتنا الطيني في قرية القليعات كنّا نتشرب المشهد الذي يبدو مجلوّاً في الساعات الأولى من الصباح. كما كنّا نرى وميض الرصاص خلال عمليات الفدائيين الذين كانوا يعبرون النهر قبالتنا، وقد وقع أحد أقاربي في الأسر سنوات طويلة بعدما أصيب خلال عملية “عين البيضا”.
في “مغارة الفار” نمنا ليالي أثناء حرب العام 1967، وفي الصباح الأول في نوم الجبل، اصطدمت رؤوسنا في سقف المغارة، حين صحونا، خصوصا أننا الأطفال نمنا في عمق المغارة، بينما أبي كان قريباً من فم المغارة حارساً لنومنا. في ذلك الصباح وحين خرجنا من النوم، كانت رائحة عبقة تملأ المكان، وحين سألت أمي عن تلك النبتة التي كانت توشم الجبل بخضرتها الداكنة ورائحتها البرية، أخبرتني أنها الفيجن. ومن تلك اللحظة، غدت رائحة هذه النبتة ذات الأوراق الدقيقة والزهور الصفراء في ذاكرتي؛ إذ إنها تنقلني إلى الطفولة ومشاهد طائرات الاحتلال التي كانت تمزق زرقة السماء الصافية، وهي تزعق محملة ببراميل الموت. كما تذكرني رائحة الفيجن بالعلبة الزرقاء لجبنة فرنسية كان يوصلها لنا أحد أقاربي الفدائيين آنذاك إلى المغارة. كانت جبنة مختلفة المذاق، عن جبنة “الكشكوان” التي حفظنا طعمها، وكانت جزءاً أساسياً مع اللبن والزيت والزعتر في صباحاتنا الريفية؛ حيث نجتمع في دائرة حول طبق القش الذي كانت أمي تصنعه بيديها وتصبغه بالألوان وتزخرفه بأشكال تشبه تطريزات الثوب الفلسطيني، ومن بينها شكل “نجمة كنعان” ثمانية الزوايا، والتي عرفت لاحقاً أنها كانت رمزاً لنجمة الزُّهرة في الحضارة الكنعانية، واتخذت لاحقاً رمزاً للعمارة العربية الإسلامية.
• في مثل تلك العزلة، ثمة كتاب تحن إلى قراءته بهدوء، أي الكتب تود مرافقتك هناك؟
أود أن أعود إلى “مغارة الفار”، أضيء فيها عزلتي، برفقة أوراق وأقلام وألوان وثلاثة كتب هي كتاب “الاسم العربي الجريح” للكاتب المغربي عبدالكبير الخطيبي، وكتاب “أسير عاشق” للفرنسي جان جينيه، وكتاب “اللغات السرية في الطبيعة” للعالم جان ماري بيلت. هذه الكتب الثلاثة، مع كتب غيرها، تمثل لي الكثير، معرفياً وشعرياً؛ إذ إنها من الكتب المثيرة للتأمل على أكثر من صعيد، فالخطيبي فتح بوابة جديدة في قراءة أشكال الوشوم على أجساد المغربيات، وفتح فضاء للتأويل عبر تناوله أنساق الوشم والحكايات الشعبية. وكان رولان بارت كتب مقدمة للكتاب قال فيها إن المثقفين مدينون للخطيبي على هذا الفتح المعرفي والجمالي التأويلي.
• في العزلة، نحتاج لصفاء تام. يقال إن الموسيقى تأخذنا إليه، فأي موسيقى تهدهد روحك هناك؟
أما عن الموسيقى، فلا أريد سوى موسيقى المغارة والجبل، تلك التي تمتزج فيها أصوات طيور الحجل وحفيف شجيرات السدر البرية والنباتات الصغيرة مع نداءات الثعالب وصمتي العميق.
• ما هي أجمل الصور التي تحب أن تراها في عزلتك؟
في هذه العزلة، أود أن ترافقني صورة أمي التي منها تعلمت الكثير، وما أزال، حتى في اللغة، على الرغم من أنها لم تدخل مدرسة.
• ستكون وحيدا، لو جنت العزلة ورفضت بقاءك مع نفسك وكتابك وموسيقاك، فأي الأشخاص تختار أن يكون قريبا منك؟
إذا فتحت العزلة بوابتها ليشاركني أحد صوفية الجبل والمغارة، فإن ابنتي سما هي التي أختارها شاهدة على حوارية الروح والجبل والمغارة والفيجن. خصوصا أن طفلتي سما شغوفة بالطبيعة وحياة الكائنات وتفهم معنى الصمت أيضا.

* علي العامري شاعر وفنان تشكيلي، صدرت له ثلاث مجموعات شعرية، هي: “هذي حدوسي.. هذي يدي المبهمة”، و”كسوف أبيض”، و”خيط مسحور” في طبعتين، بالإضافة الى طبعة باللغة الاسبانية صدرت في كوستاريكا، وترجمت قصائد له إلى اللغات الانجليزية والألمانية والإيطالية والفرنسية والإسبانية والمقدونية.

aziza.ali@alghad.jo

التعليق