نظرة على الفرنسيين الذين يعتنقون الإسلام

تم نشره في الجمعة 2 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً
  • مسلمات محجبات في فرنسا - (أرشيفية)

جوليا باسكال — (وورلد كرنتش) 28/9/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ما تزال بيبيت تعاني من الصدمة. وتكرر هذه الأم التي تحولت ابنتها الصغرى إلى اعتناق الإسلام القول: "من الصعب التعامل مع هذا الأمر". وتنحدر بيبيت من عائلة كاثوليكية، ولم تتوقع حدوث هذا الأمر أبداً. ولم تكن قد شعرت بالقلق حين ارتبطت ابنتها، ألكسندرا، بفتى كان قد تحول إلى الإسلام، ولا حتى عندما بدأت ابنتها في ارتداء ملابس ذات أكمام طويلة في الصيف.
لكن الفتاة شرعت قبل خمسة أعوام في ارتداء غطاء للرأس. ومنذ ذلك الحين، أنجبت ألكسندرا ثلاثة أولاد منحتهم أسماء إسلامية، وشرعوا في تعلم العربية. وتخلت عن دراستها الأصلية، وهي تفكر الآن في العمل بالتدريس في مدرسة للقرآن.
وتقول بيبيت: "ذهبت إلى مكة مع زوجها قبل شهر". وهي تخشى الآن أن تظهر ألكسندرا وهي ترتدي برقعاً. وتقول: "أشعر بأنني مريضة في كل مرة أراها فيها".
وطلبت بيبيت، مثل معظم الأشخاص الذين قابلناهم من أجل إعداد هذا التقرير، أن تظل هويتها قيد الكتمان –في شهادة على كم يبقى موضوع التحول إلى الإسلام هنا في فرنسا حساساً، حيث يصاب الناس بخيبة الأمل من أخبار تحول الشباب إلى الإسلام، والذين يغادرون، أحياناً مع عائلاتهم، للانضمام إلى مجموعة "داعش" في سورية أو العراق. وتقريباً، يتكون ربع الجهاديين الفرنسيين المقدر عددهم بحوالي 1000 جهادي، وفق وزارة الداخلية، من المتحولين إلى اعتناق الإسلام.
ويقول محمد علي الدروعي، مؤلف كتاب "من الخليج إلى الضواحي: سلفية معولمة": "إن الجهادية هي الحركة التي نجد فيها القدر الأكبر من المتحولين إلى الإسلام".
في الوقت نفسه، ينتج الإفراط في تمثيل المتحولين إلى الإسلام بين الجهاديين، والإفراط في ظهورهم في وسائل الإعلام، أثراً مكبَّراً ومضللاً. ومن دون إحصاء ديني مناسب، من الصعب الحصول على أرقام دقيقة. ومع ذلك، يقدر محمد علي الدروعي أنه من أصل إجمالي السكان المسلمين في فرنسا (ما بين 2 إلى 5 مليون)، ثمة ما يتراوح بين 70 ألفا إلى 120 ألف متحول. وهكذا، تمثل المئات القليلة من الذين أصبحوا جهاديين منهم أقلية صغيرة.
تغذية روحية
ترتبط عملية التحول إلى الإسلام بواقع أكثر تنوعاً وقدماً بكثير من ذلك الذي يظهر في العراق أو سورية. وقد ظهرت في وقت مبكر في القرن التاسع عشر. ويقول محمد علي الدروعي: "لقد تحول المفكرون نظراً لقربهم من البلدان المستعمرة". واستمر ذلك التقليد طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، متجسداً بشباب غربيين "هبيين، من الذين سافروا في آسيا الوسطى أو في أفغانستان، وأصبحوا تابعين للتقليد الإسلامي الصوفي، كما يشرح المؤلف.
وفي التسعينيات من القرن الماضي حدث تطور كبير. وقد تنوعت طرق الدخول إلى الإسلام وشخصية المتحولين نظراً للتواجد الإسلامي في فرنسا. وحفز ذلك التغير شكل من "إعادة الأسلمة" التي أثرت بشكل رئيسي في الشباب من خلفيات مهاجرة.
يتحدث سمير أمغر، الباحث في جامعة ليبرتي بروسيل، عن "ظاهرة سوقية"، تحدث في بعض المناطق، والتي تتأثر بروح جماعية وعملية مجتمعية من خلال التقارب.
ومن جهتها، تتذكر جيسيكا مارلي: "في المدرسة الثانوية، تعرفت إلى الكثير من الناس المسلمين من المغرب". وقد ولد ذلك اهتماماً بمراعاة شهر رمضان. ولاحقاً دخلت مارلي في علاقة جلبتها إلى مسجد، بحيث استطاعت "تعلم كيفية الصلاة". وأحبت المرأة الشابة "في الحال ذلك الجو النقي"، وتتذكر أنها "لم تتلق أبداً مثل هذا الاستقبال الحار من جالية أخرى".
اليوم، تؤدي المرأة الباريسية البالغة من العمر 28 عاماً الصلاة خمس مرات في اليوم باللغة العربية، وتدرس نسخة مترجمة لمعاني القرآن، حيث تكتبها على حواشي الصفحات. وقبل ثلاثة أعوام، تزوجت من رجل قابلته في مركز الإغاثة الإسلامي الفرنسي، حيث تقدم الدعم الاجتماعي. ولا تضع جيسيكا غطاء على رأسها لأنها لا تشعر بأنها مستعدة لذلك. وتقول إنه إذا وصل الأمر إلى ذلك، فإنه سيعني أنها أصبحت "أقرب إلى الله". وتقول مارلي إن الإسلام يقدم "تغذية روحية"، وتضيف: "لقد نشأت في عائلة أبوية... وأنا أهتم بأصول الأشياء. وعميقا في الداخل شعرت أن شيئا ما مطلوباً، واحتجت بالفعل لأن أصلي".
"عبور صحراء الحياة"
وبالنسبة لآخرين، فإن الطريق أكثر تعرجاً. ويقول ديديه، أستاذ الكاراتيه وسائق سيارة الشحن، أنه كان دائماً "منجذباً إلى فكرة التسامي"، كما تدل على ذلك ممارسته للبوذية واهتمامه بالإنجيل. وقبل عدة أعوام، قابل مسلماً حمله على التساؤل عن الديانة المسيحية ذات الثالوث المقدس، ومن ثم التحرك قدما في اتجاه القرآن. وبعد ذلك تعلم عن السلفية لستة أشهر، مستوعباً "نصوص القرن السابع عشر من العربية السعودية"، وأخيرا اختار هذا الأب البالغ من العمر 33 عاما التحول إلى الإسلام الذي يعتبر الأكثر صوفية منه إلى الحرفية.
ويشرح بالقول: "أنا لا أشارك في الطقوس الجماعية. أنا مسلم أومن بالله وبأن محمداً رسول الله. أما بقية الأمر، فهي تطور شخصي".
وهناك متحولة أخرى، آن –صوفي، التي كانت قد نشأت كاثوليكية. وقد ترددت لفترة، حتى أنها استكشفت العقيدة الإنجيلية قبل أن تختار "الإسلام التقدمي". وتتحدث المعلمة البالغة من العمر 25 عاماً عن "علاقة قوية" مع الله، من خلال ممارسة مكثفة وشخصية. وهي لا تهتم بأي زي رمزي معين، ولا تشعر بالحاجة للذهاب إلى المسجد. ومع ذلك، أصبحت الروحانية حجر زاوية في حياتها، كما تقول.
ومن جهته، يقول طارق أوبرو، إمام المسجد الكبير في بوردو، حيث ثمة ما يتراوح بين 60 إلى 70 شخصاً يتحولون إلى اعتناق الإسلام في كل عام: "يتبنى معظم الناس منهجاً شريفاً ويتطلعون إلى معالم جديدة ومسوغات أو مجموعة روحية من أجل قطع صحراء الحياة". ويصف الرقم المذكور لمعتنقي الإسلام بأنه "رقم فعلي وينمو".
بعيدا عن هذه الأنواع من الرحلات الروحية، يمر الناس أيضاً "تحولات دبلوماسية تتعلق بخطط الزواج"، وفق محمد علي الدروعي. ويصف عالم الاجتماع لوك لو بيب هذه الحالات بأنها "تحولات رسمية"، ويعتقد بأنها ربما تمثل حتى أغلبية من حالات التحول.
ثمة عنصر سياسي أيضا يمكن تأمله وفقا لما يعتقده لي بيب، الذي يشرح بالقول: "من دون جعل الاعتقادات الدينية في حدها الأدنى، فإنه أمر يتعلق باعتناق دين الناس الخاضعين للهيمنة".
الكفاح من أجل الفهم
يشعر كل من جاك ومارلين (ليسا اسميهما الحقيقيين) بأن العقيدة السياسية ربما لعبت دورا في تحول ابنتيهما الوحيدة، لوسي إلى الإسلام. وهما زوجان مسيحيان يساريان مثقفان، وشددا دائماً على التضامن مع الفقراء. وتتذكر مارلين في حديثها عن ابنتها: "في المدرسة الثانوية، كان لديها غالبا أصدقاء مسلمون". ولاحقاً أصبحت لوسي عاملة اجتماعية تعمل في الضواحي مع مسلمين، وغالباً مع عائلات يرأسها أحد الوالدين المنفصلين وحسب. قبل أعوام قليلة، وقعت مواجهة مأساوية بين شاب ورجل شرطة، مما كان له أثر كبير على لوسي. وبعد ذلك بوقت قصير، حذرت لوسي والديها: "لا تستغربا أذا قلت لكما يوما ما أنني تحولت". وبعد أشهر قليلة تحولت. وتقول مارلين أنها "لم تكن تعرف شيئاً عن الإسلام. ولم تقرأ القرآن. وما فعلته أنها ذهبت فقط إلى بعض مؤتمرات "الفيلسوف السويسري" طارق رمضان". وتضيف "وهي الآن لا ترتدي إلا الملابس الطويلة فقط، وتضع غطاءً على رأسها يخفي رقبتها".
وقد تحسنت العلاقات بين الابنة ووالديها مؤخراً في أعقاب ولادة لوسي لابنها. ويقر جاك ومارلين بأن ابنتهما كسبت "الحكمة والنقاء" باعتناقها الإسلام، لكنهما يشعران مع ذلك بعدم راحة من تحولها.
من جهته، يألف الأب جان كورتوديير مشاعر اليأس التي تتناب العائلات. بل إن القسيس لاحظ "شعوراً بالخجل" لدى العائلات التي يقابلها في محيط سين سانت دنيس  في الضواحي الباريسية)، حيث يتولى مسؤولية الوصول إلى حوار الأديان. ويقول: "بالنسبة للآباء، لا يكون تحول أبنائهم إلى الإسلام أنباء جيدة أبداً". ويضيف أن الناس يحتفظون بهذه الصورة للشباب الذين يجري استدراجهم للإسلام المتطرف من خلال الإنترنت، بعيدا عن المساجد.
كما يشعر القسيس بالذهول من الافتقار إلى الحوار. ويقول: "الآباء يتعرضون للخداع. إنهم يدركون أن ابنهم قد تحول إلى الإسلام فقط عندما يرفض تناول لحم الخنزير أو عندما يقرع أحد ما جرس المنزل ويطلب التحدث إلى ‘إبراهيم’".
كانت آن صوفي قد أخفت عن أمها تحولها إلى الإسلام لثلاثة أعوام. فهو موضوع يظل محظوراً "تابو". وتقول: "أرادت أمي أن لا أتحدث عن اعتناقي الإسلام أمام شقيقتي الصغيرة ولا أمام جديَ". وتقول أيضاً: "كانوا يخشون أن يكون التحول إلى الإسلام معدياً".
تحاول بيبيت أن يكون عقلها أكثر انفتاحاً من ذلك. لكن العلاقات بين الأشقاء تكون معقدة. فقد دعا أحد أشقاء ألكسندرا أخته إلى حفل زفافه في الكنيسة وطلب منها أن تأتي "بلباس اعتيادي". ونتيجة لذلك، قاطعت الكسندرا حفل الزفاف. وتقول بيبيت: "لم يعد شقيقها الآخر يتحدث معها بعد أن كانا في الحقيقة صديقين حميمين".

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: A Close-Up Look At French Converts to Islam

التعليق