صدام الحضارات الغربية

تم نشره في الخميس 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً

ديانا بينتو*

باريس- وضعت الصور الواردة من أزمة اللاجئين في أوروبا صور الجماهير المبتسمة في فيينا وميونخ إلى جانب الوجوه القاتمة وغير المضيافة في بودابست. وكانت النتيجه هي تزايد التعليقات عن وجود "أوروبتين"، إحداهما مرحبة والآخرى بغيضة وعدوانية. وفي واقع الأمر، لا تقتصر الاختلافات المتعلقة بما إذا كان يتوجب على البلدان أن تستقبل لاجئين على أوروبا. ويشكل التباين الظاهر دليلاً على الشرخ العميق القائم في العالم الغربي.
ويشمل هذا الانقسام الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وإسرائيل. كما أن من المهم ملاحظة أنه يشمل المجتمعات اليهودية والمسيحية أيضاً. فعلى جانب، هناك سياسيون مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر والرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير الرعاية والخدمات الاجتماعية الإسرائيلي السابق يتسحق هيرتزوغ وشخصيات دينية مثل البابا فرانسيس؛ وعلى الجانب الآخر هناك رئيس الوزراء الهنغاري فكتور أوربان والسياسية القومية الفرنسية مارين لو بان، والمرشح الرئاسي الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو، وكاردينال هنغاريا بيتر إيردو وجحافل الكهنة الأوروبيين الشرقيين الآخرين.
توجد لكل معسكر من هذين المعسكرين نظرة أساسية تتعلق بالدور الذي يلعبه اللاجئون في المجتمع. وتتكون المجموعة الأولى من أولئك الذين يعتبرون القيم الديمقراطية أكثر أهمية من الهويات العرقية أو الوطنية. وطبقا لوجهة نظرهم، فإن أي شخص يتقيد بقوانين البلاد يمكن أن يصبح مواطناً كاملاً وأن يساهم بحيوية ونشاط البلد الذي يعيش فيه.
حسب هذه النظرة، فإن اندماج الآخرين من بلدان وثقافات مختلفة لا يدمر الهوية المدنية بقدر ما يغنيها بأفكار وسلوكيات جديدة. ويشير مناصرو هذا التهاجن إلى الغرباء وأحفادهم والذين وصلوا إلى أرقى المناصب في البلدان التي عاشوا فيها. فهناك عضو لاتيني في المحكمة العليا الأميركية، ومحامون دستوريون ألمان من أصول تركية، ونواب فرنسيون جاء آباؤهم وأجدادهم من شمال أفريقيا، ولوردات وبارونات بريطانيون تمتد جذورهم إلى أفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي، بالإضافة إلى كتاب إيطاليين من أصول هندية.
وهكذا، يعتبر أنصار هذه النظرة العالمية السياجات والجدران بمثابة إهانة للإنسانية، ودليلاً على أن الذين يقومون ببنائها وصيانتها لا يثقون بحيوية وقوة بلدانهم، وهم مع ذلك كله يتقيدون بخطاب عالمي مبني على أساس القانون الدولي والمبادئ الأخلاقية والدينية.
يؤكد المسيحيون واليهود في هذا المعسكر على أن الترحيب بالغرباء والمحتاجين هو في قلب دياناتهم، وأن استقبال المحتاج هو أمر إلزامي من الناحية الاخلاقية وليس خياراً مشروطاً سياسياً. وكان البابا فرانسيس واضحاً في تأكيد أن القيم المسيحية تتضمن العناية باللاجئين.
على الجانب الآخر، يوجد أولئك الذين يخشون من الآخرين ويعتبرونهم تهديداً للهوية الوطنية. والرد الطبيعي بالنسبة لهولاء هو إقامة السياجات والجدران، سواء على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة الأميركية أو على حدود إسرائيل مع مصر أو على حدود هنغاريا مع صربيا (أو حتى مع دولة جارة عضو في الاتحاد الأوروبي مثل كرواتيا). وليس من قبيل المصادفة أن يتحول صناع السياسيات في هنغاريا وبلغاريا إلى الشركات الإسرائيلية سعياً وراء مشورتها التقنية في كيفية بناء سياجاتهم.
لا يؤمن أنصار هذا المعسكر بأن المجتمعات المدنية الدينامية يمكن أن تدمج أناساً من أصول مختلفة ضمن بيئة ديمقراطية مفتوحة، أو أنها يمكن أن تستفيد من الترحيب بهم. وعند هؤلاء، تتفوق المخاطرة التي تشكلها بعض التفاحات السيئة (تجار المخدرات المكسيكيين أو الإرهابيين الإسلاميين أو المهاجرين الاقتصاديين أو الذين يرغبون بالاستفادة من أنظمة الرعاية) تتفوق على أي فوائد قد تجلبها الأغلبية الساحقة من القادمين الجدد الشباب والملتزمين.
ولا يؤمن هذا المعسكر أيضاً بالمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق طالبي اللجوء، أو بأنه يتوجب على البلدان الموقعة على تلك المعاهدات استقبالهم. ويتم النظر بسخرية إلى اهتمام بحقوق الإنسان أو أي إشارة إلى الالتزام الاخلاقي والديني، على أساس أنه سذاجة خطيرة. وعوضاً عن ذلك، يتم التركيز على حماية "الوطن" ضد الفيروسات الأجنبية. ولا يقوم بترويج هذه الآراء الساسة وحدهم، وإنما بعض القيادات الدينية، بما في ذلك اليمين الإنجيلي في الولايات المتحدة الأميركية، والأساقفة الكاثوليك في أوروبا الشرقية، والحاخامات القوميون في إسرائيل.
يشكل هذا الصدام للحضارات الغربية ظاهرة مهمة للغاية. فأولئك الذين يغلقون الأبواب ويبنون الجدران لا ينتمون إلى نفس عائلة الذين يرحبون بالمحتاج باسم القيم العليا. وقد أصبحت المبادئ التأسيسية لتقاليدنا الديمقراطية نفسها على المحك. وهي مبادئ يقوم هذا الصدام نفسه بإضعافها.

*مؤرخة وكاتبة. آخر كتبها هو "إسرائيل تحركت".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع بروجيكت سنديكت.

التعليق