د. جاسم الشمري

مساعدة النازحين.. بين السياسة والإذلال!

تم نشره في الثلاثاء 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:04 صباحاً

بحسب اعتراف الأمم المتحدة، هناك اليوم أكثر من ثلاثة ملايين ومائتي ألف نازح في داخل العراق، نتيجة استمرار العمليات العسكرية في الموصل والأنبار وديالى وصلاح الدين ومناطق حزام بغداد. وغالبية هؤلاء لا يملكون الآن قوت يومهم، وهم ضحية لإهمال حكومي واضح، وعجز إداري كبير؛ فلا هُم يجدون حكومة تنشر الأمن في مناطقهم ليعودوا إليها، ويتخلصوا من كابوس النزوح، ولا هُم يجدون ما يكفيهم في أماكن نزوحهم ليصبروا على مأساتهم، وبالتالي صاروا ضحية للفساد ولضياع الذمم والقيم لدى غالبية السياسيين!
الاعتبارات الدينية والإنسانية تتطلب من الجميع -أفراداً ومؤسسات، أحزاباً وحكومات- الحفاظ على كرامة النازحين المحتاجين، وأن لا تكون المساعدات المقدمة إليهم علنية، وأمام وسائل الإعلام، التي تبث صورهم في عموم البلاد التي يعرف بعضها بعضاً. وبالمحصلة، فإن مساعي الخير عبر هذه المساعدات تُجْهض بمجرد إعلانها، وتصوير المحتاجين وكأنهم -حاشاهم- مرتزقة في وطنهم!
الذي آلمني وأبكاني هو ماذا سيكون رد فعلي لو كنت مكان هؤلاء، وجاء من يريد مساعدتي ومعه كادره الإعلامي لتصوير "حفلة الإذلال، أو المساعدة"، وأنا كنت في أمس الحاجة! هل سأقبل بذلك أم لا؟!
حقيقة، بكيت وأنا أكتب هذه الكلمات، لأن من أصعب اللحظات في حياة الإنسان مواقف الذل والهوان، ولا ننسى الأثر الكريم القائل: "ارحموا عزيز قوم ذل"! فهل يستحق أهلنا في عراق الخيرات، ما يحصل لهم من ذل وهوان بحجة تقديم المساعدات لهم؟! ألا يكفيهم احتمالهم لحر الصيف القاتل، وبرد الشتاء الذي لا يرحم، وفوق كل هذا الفيضانات التي جعلتهم يعيشون وسط واحة من السيول والأوحال التي غمرت خيامهم؟! هل منْ هم بهذه الحال بحاجة لمن يأتي ليتاجر بقضيتهم، أم هم بحاجة ليد حانية، وقلب صادق حنون يخفف عنهم مصيبتهم؟!
غالبية الأطراف الفاعلة في ميدان الإغاثة من حقها أن تعلن عن مساعداتها للنازحين. لكن تصوير الأشخاص من دون رضاهم، سواء أكان هذا التصوير فوتوغرافياً أم فيديو هو أمر مخجل، وهي كما يقال فضيحة وليست مساعدة. وجميعنا نعلم أن جميع هؤلاء من عوائل كريمة اضطرتهم الظروف والحروب لترك ما يملكون، وصاروا في لحظة من الزمن في عداد الفقراء والمحتاجين. وبالتالي نحن أمام واجب شرعي وإنساني يتطلب منا الحفاظ على كرامتهم؛ لأن مساعدتهم بهذا الأسلوب العلني أمر فيه جوانب سلبية، ربما لا يبوحون بها بسبب العوز والفاقة.
ثم، هل من المعقول أن طبقاً من البيض، وقنينة زيت طعام، وبعض السكر والرز، تستحق أن تعلن على الملأ كمساعدات للنازحين؟!
أنا أعرف بعض أهل الخير في خارج العراق وداخله يساعدون النازحين بأضعاف هذه الكميات ومن مناشئ عالمية، وهم في كل يوم يوصلون شاحنة كاملة أو أكثر من المساعدات من دون أن تُذكر مساعداتهم ولو ببضع كلمات في الإعلام، ذلك لأنهم يعرفون أن صدقة السر هي البعيدة عن الرياء والمتاجرة بمصائب الناس.
لا شك في أن بعض أهل الخير اتخذوا خطوة التصوير من دون قصد التشهير أو المساس بكرامة النازحين. لكن بعض هؤلاء لديهم أغراض انتخابية وسياسية، وهؤلاء لا يختلفون عن تجار الحروب لأنهم يتاجرون بمصيبة أهلهم، وهؤلاء ماتت إنسانيتهم على الرغم من أن ظاهر أعمالهم مليء بالخير ونفع الآخرين، وإلا فلو كانوا صادقين لفضّلوا الصدقة الخفية على الصدقة العلنية!
الواجب الإنساني والاجتماعي يحتم على الجهات الخيرية أن تعلن عن حملاتها بصور عامة، أو يتم تصوير النازحين من زوايا غير كاشفة لشخصياتهم بحيث لا تظهر صورهم إلا بموافقتهم، وهذا يمكن أن يجمع بين الأمرين: إعلان المساعدات، والحفاظ على كرامة النازحين.
في ظل هذه الأوضاع المتداخلة، بين الحرص على الحياة، والإصرار على الكرامة، استمرت معاناة أهلنا من النازحين داخل البلاد، وهم لا يتمنون إلا أن تنكشف عنهم هذه الغمّة ليعودوا لديارهم وينعموا بالأمن والكرامة، ولكن واقع الحال لا يبشر بخير، وربما ستستمر معاناتهم لأشهر وأشهر!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مأسي واذلال وكرامة مهدورة للنازح (نوفل الحسيني)

    الخميس 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    عودنا كاتبنا المبدع على ان نقرأ من تحت يراعه ومن فتات افكاره النيرة مقالات مبدعة تصب في مصلحة العراق وشعبه ..واليوم تناول مسألة النازحين هذه الشريحة المهمة من ابناء العراق الاباة الذين جبرتهم الظروف القاسية على ترك منازلهم وامتعتهم ومناطقهم واحبائهم والولوذ الى البراري للعيش بها ولا من حامي لهم في ظل الاجواء القاسية من حر وبرد وامور اخرى ...انه اذلال مابعده اذلال ان يهان المواطن في بلده ... من الغريب جدا واللافت للنظر ان تسمع ان مواطنا ما مهجر في بلده والاغرب من ذلك هو حكومته التي تسوف الامر ولاتضع حدا يحد من معانات النازحين فهم يشكون من قلة الحيلة والمال والطعام والخدمات باجمعها وكانهم منبوذين تركوا ليلاقوا مصيرهم المحتوم ..

    وفوق كل هذا نشأ بيننا اشباه الرجال من فاقدى الكرامة والشخصية ليتاجروا بهم وبقضيتهم الانسانية ..وهنا علينا ان نكون منصفين بعض الشيء لا الشيء كله فالحكومة تتعامل مع النازحين بازدواجية وعلى اساس المذهب ...نعم اقولها بصراحة ..
  • »حسبنا الله ونعم الوكيل (سعدي الكبيسي)

    الثلاثاء 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    الاعتبارات الدينية والإنسانية تتطلب من الجميع -أفراداً ومؤسسات، أحزاباً وحكومات- الحفاظ على كرامة النازحين المحتاجين، وأن لا تكون المساعدات المقدمة إليهم علنية، وأمام وسائل الإعلام، التي تبث صورهم في عموم البلاد التي يعرف بعضها بعضاً. وبالمحصلة، فإن مساعي الخير عبر هذه المساعدات تُجْهض بمجرد إعلانها، وتصوير المحتاجين وكأنهم -حاشاهم- مرتزقة في وطنهم!
    شعور انساني كبير ومشاعر جياشة تدل على الاحساس المرهف للكاتب القدير، ولا نقول الا ((حسبنا الله ونعم القدير)) على كل من ظلم وأجرم بحق هذا الشعب الكريم وساهم في هذه المأساة الانسانية.
    وجزا الله الكاتب على هذا التذكير ووفقه لكل خير
  • »إذلال مابعده إذلال! !! (ابتسام الغالية)

    الثلاثاء 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    منذو احتلال العراق في 2003 وإلى لحظة كتابتي لهذا التعليق وأبناء العراق يتعرضون لاسوء أنواع التعامل من قبل الحكومة وبعض الجهات المتنفذه في العراق
    وأكثر من تعرض لهذا الإذلال هم من نزح من مدينته وترك بيته مكرها بسبب استيلاء داعش على مناطقهم أو استيلاء جهات غير نظامية وبسبب المعارك التي حدثت في مناطقهم مما اضطرهم إلى النزوح خوفا على حياتهم وتركو الغالي والنفيس ورائهم غير اهبين بما سيحدث لما تركو خلفهم وانتقلو إلى مناطق أخرى أكثر أمنا في داخل البلد ولكثرة إعداد النازحين تم اسكانهم في خيم وضعة لهم في العراء
    انهم رضو بكل ذلك وتحملو مالايحتمل على أمل أن لايطول مكوثهم في هذه الخيم التي لم تقيهم حر الصيف ولابرد الشتاء
    ومن أجل الحصول على مايسد رمقهم من الجوع والعطش تعرضوا إلى أبشع إذلال لم يحدث لهم طيلة حياتهم والابشع من ذلك هو أن يأتي الإذلال من سياسي البلد الذي هم من انتخبهم وجعلهم في أماكن مهمه في الدولة فهولاء بدوء من الآن بحملات انخابية لهم من خلال الذهاب إلى النازحين لتقديم المساعدات لهم ليس في سبيل الله أو لأداء واجبهم اتجاه أبناء بلدهم وإنما من أجل عمل دعايه انتخابيه لهم من خلال مايجلبوه معهم من مصورين وصحفيين لكي يصوروهم وهم يقدمون المساعدات ويكتبو عنهم وهم يقدمون للنازحين مساعدات تافه لاتساوي حجم الإذلال الذي يتعرضون له عند استلامها.
    يطول الحديث عن السياسين واذلال النازحين وما ذكره الكاتب هو جزء يسير جدا لكنه سلط الضوء على أهم مايتعرضون له النازحين من الذل والمهانه هذا وهم داخل البلد!! فكيف يكون حال من هو خارجه.
    نسأل الله أن لايكتبها لأحد وأن يرجع جميع النازحين المظلومين المهانيين من قبل سياسييهم إلى ديارهم سالمين غانمين معززين مكرميين وتنتهي معاناتهم التي طالت
    حفظ الله الكاتب وسدد خطاه في نقل معاناة أبناء بلده
  • »الاسود تموت جوعا (د. عمر الجبوري)

    الثلاثاء 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    جزاك الله خيرا وﻻ فض فوك وﻻ جف قلمك .. فوالله انه لذل ما بعده ان ترى اعزاء القوم وواجهاتهم يتصدق عليهم ببطانية او بطبقة بيض او علبة من الزيت هؤﻻء اﻻعزاء الذين كانوا ﻻيرضون لضيوفهم اﻻ بالذبائح والسفر العامرة بما لذ وطاب . لكن انا لله وانا اليه راجعون