حقول "الدولمن" تنتشر في وادي الأردن

تم نشره في الخميس 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً
  • الدولمن

عمان-الغد- تعني كلمة "دولمن" القديمة الطاولة الحجرية، وهي تتألف من أربع كتل حجرية منصوبة، بشكل عمودي تغطيها من الأعلى كتلة حجرية ضخمة، وأحيانا توجد في هذا الشكل الأثري الصخري فتحة ضيقة عند أحد طرفيه للولوج من خلالها لداخل "الدولمن".
ومن الصعب حمل أو نقل هذه الكتل الصخرية الأثرية التي يزيد وزن كل واحدة منها على أطنان عدة، مما يتطلب تعاون مجموعة كبيرة من الأشخاص لإقامة مثل هذه المعالم الأثرية.
ويعرف "الدولمن" أيضا ببيت الغول؛ حيث يعتقد بأن العمالقة فقط هم القادرون على بنائه، لكن الدلائل تشير الى أن "الدولمن" استعمل كغرفة للدفن اذا احتوت بعض النماذج على غرف حفرت تحت مستوى الأرضية وخصصت لدفن الموتى، كما عثر في نماذج أخرى من الدولمن في حقل داميا الأثري على جثث محروقة وكانت تدفن مع الميت بعض أغراضه الخاصة كالأواني الفخارية والأسلحة والحلي والبعض كان يغطي الدولمن بكومة من الحجارة إخفاء للميت.
وتوجد المئات من حقول "الدولمن" في الأردن، وأهمها يتركز في مناطق داميا وديرعلا والروضة والديمة والشونة الجنوبية، وتتألف هذه الحقول عادة من مجموعات صخرية يزيد عدد كل واحدة منها على مائة نصب.
وادي الأردن إرث حضاري وتاريخي
وتشكل منطقة وادي الأردن إرثاً حضارياً وتاريخياً أردنياً للأقوام والأمم التي سكنته منذ أكثر من عشرة آلاف عام حتى أصبح مهوى أفئدة الرحالة والباحثين والمؤرخين منذ القرن الميلادي الأول.
وقد عكست المكتشفات الأثرية في العديد من المواقع التي شملها المسح بعداً تاريخياً وحضارياً بالغ الأهمية، جعلها على جانب واسع من الشهرة العالمية لما ألقته من ضوء على تاريخ الإنسانية القديم.
ومن أهم المواقع الأثرية في وادي الأردن -تل السعيدية، وتل المزار، وتل داميا، وتل ديرعلا، وتل الأربعين، وتل أبو حامد، وتليلات الغسول، وباب الذراع، وتل الدولات، وتل الكفرين، وتل الرامة، والزارة، وموقع مغطس السيد المسيح عليه السلام.
وحقل داميا الأثري، يحتوي على حقول حجرية وأنصاب تعرف باسم "الدولمنز"؛ حيث تنتشر هذه الأنصاب فوق الجبال الصخرية الوعرة بكثافة، مما يميزها عن باقي حقول "الدولمنز" المعروفة في العالم.
ويعد حقل داميا أحد أهم هذه المواقع في الأغوار، والتي يزيد عددها على مائتي موقع تاريخي وأثري ترجع لعصور مختلفة تمتد من العصر الحجري وحتى العصور الإسلامية المتأخرة.
بناء الدولمنز
ويتردد لدى المؤرخين والباحثين سؤال عمن بنى هذه الدولمنز، حتى أصبح موضوع أغلب التخمينات التي كانت متوقفة على محاولات مساواة الدولمنز بالناس والأماكن والمقرات المقدسة المتعلقة بالكتاب المقدس.
وبحسب رأي العالم رايت (Right)، فإن الدولمنز كانت مراكز الاعتقاد بالعمالقة. أما عن عادات الدفن في العصر البرونزي فإن نظام الدفن الذي عثر عليه خلال الحفريات يدل على تقاليد جديدة تختلف عن العصر السابق له، ويحكمه معتقد جنائزي مميز، من حيث مكوناته المتمثلة بالكهوف والتي استعملت مقابر جماعية لا تبعد كثيراً عن المستوطنات البشرية، كما أنشئت كهوف من تحت الإنسان حفرت من أجل الدفن أيضا، إضافة الى أن الإنسان اختار كهوفاً طبيعية وأدخل عليها تعديلات بأن زاد من سعتها من أجل أن تكون ملائمة لعملية الدفن، كما عثر في المقابر الجماعية على عظام للموتى وأدوات جنائزية ومرفقات خاصة كانت توحي بأن أولئك الناس كانوا يؤمنون بالحياة الأخرى بعد الموت.
كما استخدمت مقابر الأنفاق عن طريق فتحة رأسية من سطح الأرض تؤدي الى حجرة كروية تتصل بالنفق من خلال فتحة جانبية أحكم إغلاقها بوضع حجر مستدير ليغلقها إغلاقا تاما بعد وضع الميت فيها.
ويأتي الاهتمام بالدولمنز من ظهورها في مناطق مختلفة من العالم كإيرلندا وبريطانيا وإسبانيا وإيران، الا أنها تنتشر بشكل أكبر في الأردن وفي ثلاثة حقول هي: داميا والقطين والمطابي، وقد عثر في داميا على 641 دولمنز، و61 دولمنز في المطابي، و6 دولمنز في القطين.
وحددت المدونات التاريخية العالمية حقل داميا الأثري والمقدرة مساحته بحوالي 600 دونم، وعثر حتى الآن على 200 دولمنز في الحقل تعود للعصر البرونزي المبكر، أي ما يعادل 2300 سنة قبل الميلاد.
أعمال المسح الأثري لهذا الحقل وغيره تأتي ضمن خطة تطوير أخدود وادي الأردن سياحياً، وهي منطقة غير مطورة حاليا وتخلو من الخدمات كافة بما في ذلك الطرق. كما أنها غائبة عن قائمة الترويج السياحي ومهددة بخطر مناجم التعدين في المنطقة الأثرية، والتي منحت تراخيص استثمارية من قبل سلطة وادي الأردن، كون هذه الأراضي هي ضمن اختصاصها.
ومن الصعب تحديد تاريخ إقامة هذه المعالم والنصب الحجرية، لأنه أعيد استعمالها عبر القرون الماضية، ولكن يغلب الاحتمال بأن عمرها يبلغ حدود خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، وكل هذه المعالم تعد نماذج للأبنية التي أقيمت من كتل حجرية ضخمة. وهي لم تستعمل للدفن فقط بل كانت أيضا مرتبطة بطقوس عبادة ويوجد مثلها في أوروبا وجزر البحر المتوسط والمحيط الهادي.
وتشير بعض الدلائل الى قدوم جماعات وقبائل الى منطقة الأردن وفلسطين ووادي الأردن، خاصة من الشمال في فترة العصر البرونزي المبكر له ارتباط بهذه المدافن؛ حيث جاءت هذه الأقوام بعادات وطقوس دفن جديدة مرافقة لتقاليدهم الحضارية.
وتشير الحفريات الى احتمالية وجود أنصاب ودولمنز أكثر من ذلك، الا أن النشاط الإنساني في العهد القريب أسهم في اختفاء العديد منها والذي تمثل بمنح شركات تعدين تراخيص في منطقة الدولمنز، والتي أثرت على معظم الأنصاب والمظاهر الحجرية التي غيرت معالمها.
أما المؤشر الآخر الذي أخفى بعض المظاهر الأثرية فهو عبث العابثين والباحثين عن الدفائن والكنوز؛ حيث وجدت حفر واسعة وتجريفات عميقة بآليات ثقيلة في حقل داميا، أدت الى تدمير العديد من هذه الموروثات الحضارية النادرة.
ويعد حقل داميا من أهم حقول الدولمنز في المنطقة، كونه يضم عدداً كبيراً من الأنصاب الحجرية المتكاملة، والتي تنتشر على سفوح وقمم الجبال الصخرية المحاذية لقناة الملك عبدالله، الا أن هذا الحقل الأثري تعرض في العقود الأخيرة لتأثيرات بشرية أهمها استغلال صخر الحقل لأغراض التعدين، واستخدام حجر البناء وأعمال البحث عن الدفائن والكنوز والتأثيرات البيئية والمناخية؛ حيث تتراكم الأتربة والحجارة فوق المظاهر الأثرية، وحولها بسبب جريان السيول وعوامل التعرية.
أما التنقيبات التي أجريت في داميا فهي مهمة حول تاريخ هذه الأنصاب وطبيعة بنائها واستخداماتها؛ حيث أكدت الحفريات أن هذه الأنصاب تحوي تحتها غرفا سرية تمثل نموذجا مصغراً للأنصاب الحجرية الظاهرة على السطح، وأن الخزف الذي وجد في غرفة قدر تاريخها بالعصر البرونزي الأول EBI، وبما أن هذا الفخار وجد في غرفة الدفن فهذا دليل على مدى ارتباطه بها وأنه موجود أصلا في الوقت الذي بنيت فيه غرفة الدفن.
نشأتها وتاريخها
وحول تاريخ بنائها وغاياتها، أكدت الدراسات التي أجريت على مواقع الدولمنز لمعرفة تاريخها وفترة بنائها، أنها جاءت عن طريق الآراء التي طرحها الكثير من العلماء من خلال الدراسات الأثرية والميدانية، فقد نسبها العالم نيوفايل Neuville الى أربعة آلاف عام قبل الميلاد، وأرجعها العالم اناتل ANatl الى الألف الخامس قبل الميلاد، في حين نسبها ديفيوكس Devuex الى العصر الحجري (المبكر والحديث)، ونسبها الدكتور خير ياسين الى بداية العصور البرونزية؛ حيث أشار بعض الباحثين والمؤرخين والعلماء إلى أن هذه الأنصاب الحجرية استخدمت كمدافن في العصرين البرونزي والحديدي.
وعثر في موقع القطين على 61 نصبا كشفت الحفريات على موجودات بداخلها تعود الى فترة العصرين الحديدي والبرونزي، وهذا يدل على أن الأنصاب تم بناؤها في فترة العصر البرونزي المبكر وأعيد استخدامها في العصر الحديدي، كمدافن جماعية وهذا دليل على وجود محرقة لجثث الموتى في ذلك العصر.
ويوجد في مرتفعات الجولان السورية المحتلة 52 دولمنز من أنواع وأبعاد متعددة، تم حفرها في حقول مختلفة أغلب هذه الأنصاب بنيت في فترة ما بين العصرين البرونزي القديم والمتوسط.
واستنتج العالم ابستين Epstein أنها بنيت قبل نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد، وأن قبائل من الشرق والجنوب الشرقي كانت تتحرك عبر المرتفعات ثم تتجه نحو الغرب وتستقر في هذه المناطق لتوفر مقومات الحياة فيها من مياه وأراض زراعية.
أما الاكتشافات التي تمت في باب الظهرة، فقد أضافت دليلا داعما للاستنتاج أنه في فترة العصر البرونزي الأول EBI كانت هناك مجموعة من الناس في معبر الأردن لهم قبور ومدافن مميزة، مما يدل على رفاه الحالة الاجتماعية والدينية لهؤلاء الناس.
أما الفخار الذي عثر عليه في المدافن، فهو عبارة عن أوعية عميقة بحواف منحنية وأباريق بمقابض وأوعية بمقبض مخروطي الشكل؛ حيث إن الجسم البارز الوحيد هو حافة الوعاء الذي يتميز بلمعانه ذي اللون الرمادي وهو المثال الوحيد الذي عثر عليه في الموقع.
كما أظهرت الحفريات مقتنيات أثرية أخرى في الموقع كالكهوف ذات الأشكال المختلفة، فمنها ما هو صغير لا يتجاوز عمقه بضعة سنتميرات، ومنها ما هو أكبر وأعمق من ذلك؛ حيث عثر عليها منحوتة داخل الواجهات الصخرية التي تتكون منها بعض أطراف الجبال في حقل داميا.
وقد أشارت الدراسات الى أن هذه الكهوف كانت على الأرجح تستخدم للأغراض الجنائزية كون العديد منها لا يزيد عمقه على مترين، وقد انتشرت في مساحة الحقل كاملا، ولكن كثر تركيزها في الجزء الشمالي منه.
كما تم العثور على جدران ودوائر مبنية من الحجارة الصخرية، وأهم المظاهر الأثرية هو البرج الدائري الذي يتكون من مداميك حجرية عدة مبنية في الحجر الكلسي غير المشذب؛ حيث بني فوق ربوة مشرفة على مساحة واسعة من الحقل. وقد أشار المؤرخون والرحالة الى أن هذا الطراز من البناء يمثل المعاني المهمة ذات الصلة بالطقوس الروحية والجنائزية للعصر البرونزي.
أما الفخار الذي عثر عليه في الحقل، فقد تعرض للكسر بفعل الاعتداء البشري على هذا الموروث الحضاري، الا أن قطع الفخار التي عثر عليها تدل على أنها استخدمت في العصر البرونزي وأعيد استخدامها في العصور اللاحقة.
وقد عثر على كسر فخارية ترجع للعصر الروماني وسط رجم حجري يخالف في طبيعة بناء الأنصاب الحجرية- الدولمنز؛ حيث تؤكد المشاهد الظاهرية أنه كان بناء أو أبنية عدة ذات صيغة استيطانية أو عسكرية؛ اذ تم العثور على خطوط من الجدران الحجرية يزيد طولها على ثلاثة أمتار.
الا أن يد الزمن والبشر وغياب الاهتمام بالموقع طمست معالم هذه الموروثات الحضارية النادرة التي تزيد من مكانة الأردن السياحية والحضارية.-(وزارة السياحة والآثار)

التعليق