الأخلاق، البراغماتية، والأورويلية في الخطاب والسياسة

تم نشره في الجمعة 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً
  • الرئيس الروسي فلاديمير بوتين-(أرشيفية)

ألكسندر جيه. موتايل - (وورلد أفيرز جورنال)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أصبحنا نألف تماماً الآن منطق فلاديمير بوتين الأورويلي، القائل إن السلام هو الحرب، وإن التدخل هو عدم تدخل، وإن الديمقراطية هي الفاشية، والفاشية هي الديمقراطية. وقد عززت تعليقاته الأخيرة في نادي مناقشات فالداي فقط -إذا كانت ثمة حاجة إلى أي التعزيز أصلاً- فكرة أن الرجل هو سيد الكذب.
ونحن لا نتوقع بشكل عام سماع معايير أخلاقية أو منطقية غرائبية بالمقدار نفسه من المعلقين الغربيين. لكن ذلك يحدث فعلاً، خاصة عندما يتعلق الأمر ببوتين، وروسيا، وحربهما في أوكرانيا.
في 20 تشرين الثاني (أكتوبر)، قال البروفيسور مارك جاليوتي من جامعة نيويورك "إن الغرب فقد الحق في وعظ بوتين". ووفقاً لجاليوتي، فإن: "هذا الأمر لا يتعلق بتلك الخدعة الكلاسيكية التي تقوم على تشتيت النقد عن طريق استدعاء عيوب الآخر الحقيقية أو المزعومة. إنه يتعلق بالأحرى بملاحظة أن واشنطن تسعى الآن إلى الحصول على كعكتها وأكلها بدورها. إنها تستطيع اختيار تأسيس سياستها الخارجية على المبادئ الأخلاقية الصارمة أو على البراغماتية الجيوسياسية.
"في الوقت الحاضر، تبدو واشنطن سعيدة بالتصرف براغماتياً -وإنما التفكير أخلاقياً. وهي بذلك لا تعتبر بوتين خصماً أساسياً؛ وإنما خصماً غير أخلاقي".
"وهذا أمر خطير وأحمق... إن انتقاد (روسيا بوتين) على أسس أخلاقية، من دون التصرف بطريقة أخلاقية صافية لا يرقى إليها الشك، سيعمل ببساطة على تنفير موسكو، وتقويض المصداقية الغربية، وخلق سلسلة كاذبة كلياً من الافتراضات التي تُبنى عليها السياسة".
"الحقيقة غير المريحة هي أن بوتين، في سورية وفي العديد من المناطق الأخرى، إنما يستغل ويوسع فقط وبلا رحمة سوابق كان قد أرساها الغرب مسبقاً".
يبدو اقتراح جاليوتي بأن الخيار المطروح أمام صناع القرار هو، إما "المبادئ الأخلاقية الصارمة" أو "البراغماتية الجيوسياسية"، عبثياً وغريباً في ذاته. والحقيقة هي أن الديمقراطيات الغربية لم تحاول في الواقع أن تجمع بين المبدأين؛ إنها لا تقوم فقط بمجرد "التصرف براغماتياً -وإنما التفكير أخلاقياً". صحيح أن الديمقراطيات الغربية تفشل في كثير من الأحيان في الجمع بين المبدأين بينما تحقق النجاح. ولكن النجاح بدرجة 100 في المائة ليس هو الفكرة. إن الفكرة هي أن محاولة أن يكون المرء براغماتياً وأخلاقياً معاً، هي مهمة غير سهلة على الإطلاق.
في هذا الصدد، تختلف الديمقراطيات الغربية جوهرياً عن الأنظمة الديكتاتورية الاستبدادية، والدول الفاشية، والأنظمة الأوتوقراطية مثل روسيا بوتين. إن بوتين لا يبذل أي جهد على الإطلاق للجمع بين الأخلاق والبراغماتية. إنه في الواقع يقوم بتحريف الأخلاق حسب الحاجة من أجل تحقيق أهدافه. وبذلك يكون وجود الضمير الشاعر بالذنب مستحيلاً في عالَم بوتين الأخلاقي المشوه، في حين أن الضمائر التي تشعر بالذنب مندغمة في نفس نسيج الفكر الغربي. وعندما ينتقد الغرب آخرين على آثامهم، فإنه إنما ينتقد نفسه فعلياً. وعلى الرغم من أن الغرب يكون منافقاً في كثير من الأحيان، فإن نفاقه هو شهادة على حقيقة أنها لا توجد لديه معايير أخلاقية، حتى -أو خصوصاً- عندما ينتهك هو هذه المعايير. ونتيجة لذلك، فإن الأمر لا يقتصر على حق الغرب في انتقاد بوتين: إن عليه واجبا للقيام بذلك.
فلنأخذ حجة جاليوتي إلى نهايتها المنطقية، وسنكتشف أنه لا أحد سوى قديس سيجرؤ على التعبير عن تحفظات أخلاقية تجاه أي شيء أو أي شخص.
بل إن هناك معايير أكثر غرابة توجد في تعليق كتبه معلق بلومبيرغ، ليونيد بيرسدسكي، الذي يعتقد بأن "التقرير عن تحطم الطائرة الماليزية MH17 (الصادر مؤخراً) يظهر أنه ليس هناك جانب بريء". ووفقاً لبيرسدسكي، فإنه في حين أن من الصحيح أن "صاروخ بوك الذي دمر الطائرة يجب أن يكون قد أطلق من الأراضي التي يسيطر عليها المتمردون"، فإن أوكرانيا "فشلت في أداء واجبها من خلال السماح لطائرات الركاب بالتحليق فوق منطقة النزاع". ومما لا شك فيه، كما يقول بيرسدسكي، أنه "في حين أنها لا يمكن أن تكون هناك مساواة أخلاقية بين تسليح أو حماية مرتكبي تلك الجريمة، وبين عدم إغلاق الأجواء، فإن الحقيقة غير المريحة التي كشفها التقرير هي أن كلا الجانبين في الصراع كانا فاقدين للكفاءة بوضوح الشمس".
ماذا تقول؟ الثوار أو الروس يرتكبون جريمة بشعة بإسقاطهم طائرة عمداً طائرة، ويكون هذا مجرد عدم كفاءة؟ حتى إذا كانوا يعتقدون أنها طائرة عسكرية -وهو ما قد يكون غير مرجح، بالنظر إلى ارتفاع العالي الذي كانت الطائرة تحلق عليه- فإن الحقيقة هي أنهم قرروا إسقاطها عمداً. وفي الوقت نفسه، فشل الأوكرانيون في تصور أن المتمردين أو الروس سوف يقومون حقاً بإسقاط طائرات ركاب، وهم بذلك غير أكفياء مثل المتمردين أو الروس الذين قاموا بارتكاب الجريمة فعلاً؟
ليست الكفاءة أو عدمها هي القضية هنا، تماماً كما أنها ليست قضية في أي جريمة. إن الأسئلة الوحيدة ذات الصلة هي: هل تم ارتكاب الجريمة ومَن هو الذي ارتكبها؟ والإجابات عن السؤالين هي: نعم، تم ارتكاب جريمة لأنه تم إسقاط طائرة عمداً، وكان الروس أو وكلاؤهم هم الذين أطلقوا الصاروخ الذي دمر الطائرة.
لم يأخذ بيرسدسكي حجته بعيداً بما فيه الكفاية. فمنطقياً، كان عليه أن يوجه الاتهام أيضاً إلى قائد الطائرة الماليزية وركابها باعتبارهم فاقدي الكفاءة بالمقدار نفسه، وبالتالي متواطئين بشكل غير مباشر. فبعد كل شيء، مَن سوى شخص غير كفء يقرر التحليق فوق منطقة حرب؟ ومَن غير شخص فاقد الكفاءة يفشل في أن يحدد مسبقاً ما إذا كانت الطائرة التي هو فيها تطير فوق أراضٍ متنازع عليها؟
تبدو هذه الأسئلة فاحشة مثل المعايير الأخلاقية لبوتين والمدافعين عنه.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Morality, Pragmatism, and Orwell in Rhetoric and Policy

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق