هل يوجد في العالم إيمان بالبرهان؟

تم نشره في الأحد 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً

قلما نجد في المعاجم اللغوية العربية، فرقاً يذكر في المعنى بين الإيمان والاعتقاد، فهما مترادفان، ويعنيان – دينياً – الاعتراف العلني بوجود إله واحد، كما هو الأمر عند أتباع الديانات التوحيدية، أو أكثر من إله كما هو الحال في الديانة الهندوسية، أو بغير هذا و ذاك في أديان أو عقائد أخرى.
إن الإيمان أو الاعتقاد هو ما يعتبره المؤمن أو المعتقد أكيداً. إنه تصديق قاطع بشيء ما، وإن كان لا يوجد دليل على صحة الإيمان أو الاعتقاد أو العكس. والإيمان هذا أو الاعتقاد ذاك ينتقل منذ الولادة أي من جيل إلى جيل بالتشريب والتنشئة والتربية والتعليم والإعلام... بما في ذلك الأبهار والإدهاش، وليس بالاختيار الحر من بدائل، وبعد تفكير وتأمل وتحليل ومفاضلة ومقابلة. وفي الإسلام لا تؤمن نفسٌ الا بإذن الله قال تعالى: "وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون" (10/100). لقد عجز عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – عن الإيمان بالدليل فقال: "اللهم إيماناً كإيمان العجائز".
وبمرور الوقت يتحول الإيمان أو الاعتقاد الذي تشربه الطفل ونشأ عليه، وتربى بصدفة المكان أو الزمان إلى هوية مركزية من هوياته الكثر.
هذا وقد يجعل التشريب والتنشئة والتربية والتعليم والإعلام المتعصبة الفرد يؤمن أو يعتقد، أو الجماعة تؤمن أو تعتقد أنه أو أنها تملك الحقيقة المطلقة، كما في كل الأديان، وإن كان كل من يدعي أنه يملكها كمن يعلن الحرب على بقية الأديان وعلى أصحابها لفرضها عليهم.
وفي الإسلام يمتنع على المسلم الردة عن دينه، وإلا استحق القتل، وإن كان الإسلام والمسلمون يقبلون فخورين ارتداد غيرهم عن أديانهم ويشجعونهم عليه للدخول في الإسلام، ويجعلون من ذلك علامة على تفوق الإسلام على بقية
 الأديان.
ها هو الإمام الشافعي يعلن الحرب على جميع العلوم، ما عدا علوم القرآن الكريم والحديث الشريف:
فكل العلوم عدا القرآن باطلةٌ ... إلا الحديث وعلم الفقه في الدين.
العلم ما كان فيه قال حدثنا .... وما عدا ذلك أحلام الشياطين.
وحسب هذا الفهم الشافعي فإن علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء والجغرافيا والفلك ... باطلة.
والإيمان أو الاعتقاد يختلف عن المعرفة، أي أن هناك فرقاً كبيرا بين أن تعتقد أن فلاناً في البيت، وأن تعرف أنه في البيت، ففي الحالة الأولى ليس لديك دليل سوى قلبك أو هاجسك. أما في الحالة الثانية فلديك دليل حسي أو برهاني عليه (Evidence Based). ولذلك يختلف الناس في العالم في الإيمان أو المعتقدات أو الأديان والمذاهب، ويظلون مختلفين فيها داخلياً وخارجياً، لأنه لا يمكنهم التوصل إلى إيمان أو اعتقاد أو دين واحد، ولكنهم يتفقون أو يجب أن يتفقوا في النهاية في المعرفة والعلوم والتكنولوجيا، وبخاصة في تلك التي تعتمد الملاحظة والتجريب والقياس والأدوات كالميكرسكوب والتلسكوب... والنمذجة والمحاكاة، أي التي تعتمد المنهج العلمي أو الشك المنهجي في الوصول إلى المعرفة نفسها، أو القانون العلمي نفسه، وإن اختلف أصحابها في الإيمان أو الاعتقاد أو الدين أو
 المذهب.
 وعلى الرغم من محاولة الإسلاميين إبان سيطرة التيار الإسلامي أسلمة العلوم والتكنولوجيا، التي لا يزال الأستاذ المحترم زغلول النجار يمارسها ويستفيد منها بالربط بين الدين والعلم، مع أن الربط بينهما يلقي بظلاله على الدين ويجعل العلم مرجعاً له وليس العكس، لأن حقائق العلم ونظرياته وقوانينه نسبية، أي ليست مطلقة أو حتمية كما في الدين، والا فليقل لنا الأستاذ النجار كم مجرة في الكون اعتماداً على القرآن الكريم، أو ما حجم هذا الكون اعتماداً على الدين، ولا ينتظر هو ومدرسته ظهور قانون علمي جديد أو تقنية جديدة لتفسيرهما بالدين. إنه لا يستخرج لنا من الدين قوانين علمية لم تكتشف أو تقنيات لم تخترع بعد. وكذلك يفعل "داعش" وأشكاله بنسبة أفعاله إلى الدين: قرآناً وحديثاً نبوياً وتراثاً سلفياً.
إن القرآن الكريم أو العهد القديم، أو الجديد... كتب دين، لا كتب رياضيات أو فيزياء أو كيمياء وأن جاء بعض نصوصها متوافقاً مع العلم، فالعلم كما يقول كارل بوبر هو كل ما هو قابل للدحض، وما لا يقبل الدحض فليس علماً، فالفرضية العلمية لا تُقبل ولا تُعتمد إلا بعد محاولة إثبات زيفها مرة ومرة ومرة... فإذا صمدت قُبلت واعُتمدت ولكن ليس كحقيقة نهائية. إن الفرضيات العلمية تبقى مؤقتة دائماً أي مفتوحة للمراجعة والفحص كما يجعلنا العلم بحاجة الى الأقران أو الزملاء الباحثين عن المعرفة، للفت انتباهنا إلى البقع السوداء في تفكيرنا، وإلا فالفرضيات ليست علمية وإنما "دوغما" كما يقول الأستاذ دونالد ر. بروثيرو في كتابه (Reality Check, 2013) أو كما يقول آخر: "العلم لا يصحح الطبيعة. إن الطبيعة هي التي تصحح العلم عندما يخطئ".
بهذا الفهم للإيمان أو الاعتقاد أو الدين لا يكون للبوذي أو الهندوسي أو المسيحي أو اليهودي أو المسلم... فضل أو ميزة على آخر في إيمانه أو معتقده أو دينه أو مذهبه، فكل واحد منهم "على دينه الله يعينه"، فعندئذ لا يبقى ثمة مجال للحديث عن أعداء إسلام أو أعداء المسيحية أو أعداء البوذية... لأن المصدر الأصلي أو الخفي لهذه العداوات هو الصراع على السلطة أو على المكان أو الزمان تحت عنوان الدين أو المذهب أو أي حجة أخرى.
بهذا الفهم للإيمان أو الاعتقاد أو الدين، يمكن أن يتحقق الاعتراف المتبادل والاحترام المتبادل والتعارف بين الشعوب والقبائل أياً كانت أديانها ومذاهبها، وتصبح لغة الخطاب إنسانية عامة محايدة عادلة، فضع نفسك مكان الآخر وصافحه قبل أن تفتح النار عليه وتقتله فقد يقتلك.
ملاحظة: قد يكون كلامي هذا صواباً أو خطأ لأنني لا أملك الحقيقة المطلقة لأدعي صوابه.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »احسنت (سمير عبدالله)

    الأحد 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    من ما ورد اعتقد انه يجب أعاده النظر بالتسميه علماء لرجال الدين
  • »توضيح (ناصر العمري)

    الأحد 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    لتوضيح قول الشافعي الموافق لكتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فمراده هنا ان أفضل العلوم علم الدين وان علم الدين له شرف على غيره من العلوم لأنه متعلق بأشرف المعلومات فشرف العلم بشرف المعلوم، و اشرف العلوم هي علوم العقيدة الاسلاميه التي تتعلق بمعرفة الله تبارك و تعالى و تنزيهه سبحانه عن الشريك و الزوجة و الولد و صفات الأجسام و المكان و الزمان، ثم بعد هذا العلم تأتي علوم الدين الاخرى كالفقه و التفسير و الحديث و بعد ذلك تأتي علوم الدنيا.
    اما قول الكاتب عن سيدنا عمر انه آمن بلا دليل فهذا خطأ فادح في فهم كلام أمير المؤمنين، فإنما كان كلامه البساطة في حب الدين و العمل البعيد عن التعقيد، و إلا فكيف آمن بعد ان قرأ كلام الله في بيت اخته؟
  • »سبحان الله وبحمده ...سبحان الله العظيم (هدهد منظم *اربد*)

    الأحد 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    بسم الله الرحمن الرحيم بادئ ذي بدء الحق اقوله لكم بان التصور الصحيح والسليم للكون والانسان والحياة هو الذي يحدد تصرفاتنا وافعالنا واقوالنا وبناء على ذلك فان البشر جميعا يقسمون الى ثلاثة اقسام لا رابع لهما :- القسم الاول يؤمن بالله على اختلاف ديناتهم ومعتقداتهم وعليه فان هؤلاء تكون تصرفاتهم وافعالهم واقوالهم حسب تصورهم فعلى سبيل المثال لا الحصر عبدة الاصنام كانوا يؤمنون بوجود الله وعندما سئولوا اذن لماذا تعبدون الاصنام كانت اجابتهم لكي تقربنا الى الله زلفى ... لابل وابعد من ذلك ابليس يتعرف بوجود الله حيث طلب الامهال من الله وهو ايضا بعد ان يطغى معظم خلق الله يقول لهم يوم القيامة (قال تعالى ( اني ارى مالا ترون اني اخاف الله رب العالمين ) صدق الله العظيم اما القسم الثاني فهم الملحدين الذين ينكرون وجود الله وهؤلاء تكون تصرفاتهم وافعالهم واقوالهم وفق تصورهم اما القسم الثالث فهم الضايعين بين هذا وذاك وهؤلاء ايضا تكون تصرفاتهم وافعالهم واقوالهم وفق تصورهم ...وبما ان المقال تحدث عن الايمان من عدة جوانب فيجب ان نوضح ذلك وهنا اقتبس اقتباسا مطولا نوعا ما ( إن الإيمان أو الاعتقاد هو ما يعتبره المؤمن أو المعتقد أكيداً. إنه تصديق قاطع بشيء ما، وإن كان لا يوجد دليل على صحة الإيمان أو الاعتقاد أو العكس. والإيمان هذا أو الاعتقاد ذاك ينتقل منذ الولادة أي من جيل إلى جيل بالتشريب والتنشئة والتربية والتعليم والإعلام... بما في ذلك الأبهار والإدهاش، وليس بالاختيار الحر من بدائل، وبعد تفكير وتأمل وتحليل ومفاضلة ومقابلة. وفي الإسلام لا تؤمن نفسٌ الا بإذن الله قال تعالى: "وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون" (10/100). لقد عجز عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – عن الإيمان بالدليل فقال: "اللهم إيماناً كإيمان العجائز".) انتهى الاقتباس. وساوضح ذلك على النحو التالي :- اولا الإيمان بالله هو الاعتقاد الجازم بوجوده سبحانه وتعالى ، وربوبيته ، وألوهيته ، وأسمائه وصفاته .
    ووجود الله تعالى قد دل عليه العقل والفطرة ، فضلاً عن الأدلة الشرعية الكثيرة التي تدل على ذلك.
    1 ـ أما دلالة الفطرة على وجوده: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى؛ فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لا بد لها من خالق أوجدها، إذ لا يمكن أن توجِدَ نفسها بنفسها ، ولا يمكن أن توجد صدفة .

    فهي لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها لأن الشيء لا يَخلق نفسَه ، لأنه قبل وجوده معدوم، فكيف يكون خالقاً ؟!
    وقـد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطور، حيث قال : ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) الطور /35 .
    اما فيما يتعلق بالاية الكريمة التي اوردها كاتب المقال والذي تعمد التجزئة لها لكونها معطوفة على الاية التي سبقتها قال تعالى ( ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(99)وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) سورة يونس
    وعليه فان القضية قضية ايمان بالله او عدم ايمان بالله فالله سبحانه وتعالى فطرنا على الايمان بالله عندما ولدنا حيث الحديث الشريف اعلاه ومن خشية الله علينا من ان تتبدل فطرتنا منحنا العقل وعليه فإن اذن الله الذي اورده في الاية الكريمة متعلق بالعقل هذا هو الإذن قد وضِّح ، فإذن الله متعلِّقٌ بالعقل فإن عقلت أذِنَ الله لك ، وإن لم تعقل لم يأذن الله لك ، لمَّا خلق الله العقل قال له : " أقْبِلْ فأقْبَل ثمَّ قال له : أدْبِر فأدْبَر ، قال : وعزَّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبَّ إليَّ منك بك أعطي وبك آخذ " ، من استخدمك فأحسن استخدمك يستحقُّ سعادة الدنيا والآخرة ، ومن عطَّلك وأساء استخدامك يستحقُّ شقاء الدنيا والآخرة ..
    وبمعنى ادق أن هؤلاء الذين يعقلون يأذن الله لهم بالإيمان ، وهؤلاء الذين لا يعقلون هم الذين يرفضهم الله عزَّ وجل ، ولا يأذن لهم إطلاقاً بدخول الجنَّة .. خلاصة القول لم يعقل الإنسان الحقائق سوف يلتفت إلى الشهوات ، فليس هناك إلا هاتان الحالتان ، إما أن تكون مع المعقولات ، أو أن تكون مع الشهوات ، فالذي لا يعقل لابدَّ من أن ينغمس في الشهوات إلى قمَّة رأسه وعندما بنغمس الانسان في الشهوات يصبح الهه هواه عندئذٍ يستحقُّ لعنة الله ، ويناله رجسٌ من الله عزَّ وجل ونسال الله رب العرش العظيم الهداية للجميع حيث يسود العقل والمنطق والبعد عن الشهوات المهلكات للدين والدنيا والنفس انه سميع مجيب وولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم والله ولي التوفيق