د.أحمد جميل عزم

انتفاضة استنزاف تفرز قوى جديدة

تم نشره في الثلاثاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:06 صباحاً

عاد فلسطينيون إلى إضرابات واحتجاجات ضد حكومتهم، وضد أرباب العمل؛ وعادت الفصائل للخلافات الداخلية، وللخلافات فيما بينها، بما في ذلك نيّة حركة "حماس" التي لم تعد لها حكومة، توزيع أراض أميرية في قطاع غزة على موظفين. كل هذا رغم وجود انتفاضة، ورغم انتظار الجمهور لما ستفعله هذه الفصائل وفعاليات المجتمع المدني، لقيادة وتوجيه الحدث اليومي.
ظهر في سياق الصراع العربي الإسرائيلي الكثير من المصطلحات لتعبر عن أشكال من الصراع؛ فمن الحرب الصريحة، إلى حالات اللاحرب واللاسلم، إلى حرب الاستنزاف التي ظهرت بشكل واضح بعد العام 1967، وحتى العام 1970 تقريبا. وأخذت شكل قصف جوي إسرائيلي للمدنيين، وعمليات فدائية بما في ذلك العمليات التي قام بها الجيش المصري ضد الجيش الإسرائيلي، وعمليات قصف بالصواريخ قام بها المصريون، خصوصاً عبر قناة السويس. وانتهت تلك المرحلة بالقبول المصري الأردني بمبادرة روجرز الأميركية، لتسود حالة اللاحرب واللاسلم حتى العام 1973.
ما يحدث الآن في فلسطين، يجري ربما في اتجاه انتفاضة استنزاف؛ إذ لا توجد مواجهة شاملة. فالملاحظ أن السياسة الإسرائيلية حتى الآن هي الضرب بقوة وقسوة في مناطق التماس والمواجهة، واستسهال القتل للشباب الفلسطيني. لكن لم تصل بعد إلى مرحلة المواجهة الشاملة؛ فلا توجد مؤشرات، مثلا، على إعادة احتلال المدن الفلسطينية، أو حتى إجراءات عقابية اقتصادية ومالية موجهة ضد السلطة الفلسطينية. ولعل هذا قائم على حسابات، أهمها عدم الرغبة في تكرار سيناريو تحطيم الأجهزة الأمنية الفلسطينية في "انتفاضة الأقصى"، والذي نتج عنه انضمام عدد كبير من أبناء تلك الأجهزة للانتفاضة، بل وتولي قيادتها. هذا فضلا عن أنّ الأعمال الانتفاضية حتى الآن لا توجد لها بنية منظمة يمكن ضربها بطريقة المواجهات المفتوحة، ولأن عمليات اجتياح واستهداف المدن تعني عمليا توسعة الانتفاضة والمواجهة، ولأنّ الفصائل كافة تتراوح مواقفها بين المشاهدة والتأييد اللفظي لما يحدث، وبالتالي لا تبدو هدفاً مفيداً للاحتلال.
لم تخبُ الانتفاضة سريعاً، ولكنها لم تُطوّر أيضاً إلى حالة شعبية عامة عارمة. وليس فقط أنّ الصمت يكاد يعم الفصائل والمستويات الرسمية، بل عادت هذه للجدل بشأن خلافاتها، من نوع "قصة محمد دحلان"، العضو القيادي السابق المفصول من حركة "فتح"، والذي يواظب على تغذية الأمل بين أتباعه بنشر إشاعات مصالحة محتملة مع الرئيس الفلسطيني تعيده للتركيبة السياسية، فيما تنفي بالمقابل قيادات وكوادر الحركة ذلك. وفضلا عن قصة دحلان، هناك معبر رفح، وتسويات حركة "فتح" مع مصر بشأنه، وموقف "حماس" الرافض لتلك الترتيبات، ثم خلاف توزيع أراضٍ في غزة، سالف الذكر. بل يبدو المجتمع المدني الفلسطيني كمن تعايش مع الوضع الراهن، ويستعد للعودة إلى قضاياه الخاصة، بعيداً عن تطوير وقيادة برنامج مواجهة مع الاحتلال. فمثلا، نقابة المحامين التي قامت بنشاطات في بداية الهبّة، تدعمها وتعلن موقفا مساندا لها، هي مشغولة الآن بالتصدي لقرار حكومي، صدر بموازاة الانتفاضة، ومنفصلا عن أجوائها، برفع رسوم التقاضي في المحاكم. لذا، يقوم المحامون بإضرابات واحتجاجات ضد ذلك. فيما نقابات العاملين في الجامعات، التي كانت قد أعلنت عن وقف إجراءاتها النقابية التصعيدية للمطالبة بتحسين أوضاع العاملين فيها، استجابة للوضع الذي استجد مع الانتفاضة، أعلنت الآن عزمها العودة إلى التصعيد النقابي إن لم تتم الاستجابة للمطالب، في مؤشر على قرار بالتعايش والتوازي مع الهبة والعودة إلى الخطط التي سبقت اندلاعها.
الفرق الأساسي بين حرب استنزاف 1967-1970 وبين انتفاضة الاستنزاف الحالي، أن تلك كانت تعبر عن سياسة رسمية، وهذه لا.
الواقع أنّ استمرار هذا الوضع سيكون له نتائجه. أولاها، الاتساع التدريجي المحتمل للشرائح الشبابية المنخرطة في الهبة. وهو اتساع رأيناه في الأسبوعين الماضيين. فالمواجهات تستقطب شبانا جددا، مع تراجع الأمل بدور فاعل للفصائل والبُنى المجتمعية الأخرى. ومع طول أمد المواجهات، أو حتى لو توقفت، يصبح من الحتمي زيادة التفكير والعمل بشأن تطور أنماط قيادة ومواجهة، وبُنى سِريّة لإدارة النشاطات المختلفة، ومُراكَمة وسائل وأدوات عمل جديدة، تعوض الاستنكاف الفصائلي والرسمي.

التعليق