إبراهيم غرايبة

التطرف بما هو أزمة المؤسسات الدينية والتعليمية

تم نشره في الأربعاء 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:05 صباحاً

"... قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ..." (آل عمران، الآية 165).
ثمة ثلاث أفكار أساسية لا يمكن تجاوزها عند التفكير في حالة الكراهية والتطرف والإرهاب التي تسود عالم الإسلام اليوم، وتهدد العالم، بما في ذلك الدول والمجتمعات العربية والإسلامية. أولاها، أن الأفكار السائدة تعبر عن الطبقة السائدة أو عن أزمتها. والثانية، أن معاينة الخطاب الديني السائد والمتبع في المؤسسات الدينية والتعليمية الرسمية، وفي التدين والتفكير المجتمعي العام، لا تظهر اختلافا عن خطاب الجماعات المتطرفة. والثالثة، أن المسؤولية تجاه أزمة أو كارثة تتحملها تلقائيا المؤسسات الرسمية المنوط بها العمل في مجالها؛ فكما تلام أمانة عمان بسبب التقصير في إدارة ومواجهة فيضانات الأمطار، أو تلام دائرة الجمارك على حادث انفجار الألعاب النارية، فإن وزارة التربية والتعليم ووزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية والجامعات وكليات الشريعة، هي المسؤولة عن ظاهرة التطرف والتعصب الديني، والكراهية المستمدة منهما، والإرهاب والعنف الناشئين بسببها، أو هي المؤسسات الرسمية التي يتوجه إليها باللوم. فهي مسؤولة سلبا أو إيجابا؛ سلبا، إن عجزت عن تكريس الاعتدال. وإيجابا، إن كانت بالفعل تنتج التطرف. حتى إن لم يكن ذنبها ولا علاقة لها بالتطرف، ماذا تفعل إذن، ولماذا ننفق عليها من الموارد العامة وأموال دافعي الضرائب؟ لنوفر على الأقل خمسمائة مليون دينار سنويا يجري إنفاقها من الموارد العامة على المؤسسات الدينية.
الخطاب الديني السائد اليوم في الدولة والمجتمع، والقائم على دور ديني واسع وعميق للدولة في التشريع والإدارة والتعليم وتنظيم الشأن الديني والإعلامي، يجعل الخطاب الديني مكونا أساسيا في تشكيل القيم العامة والوطنية والأخلاقية، ويربط بين السلوك الاجتماعي والثقافة العامة والسياسة وبين خطاب ديني موصوف أو منظور إليه على أنه حق نزل من السماء، برغم أنه فهم بشري للدين، وليس الدين نفسه. وفي هذا الخطاب الذي يقدس التاريخ العربي والإسلامي، ويدمج بين العلوم الدينية بما هي فهم بشري وبين الدين نفسه، فيمنح الأفكار والفتاوى والثقافة الدينية والتاريخية قدسية الدين نفسه؛ وفي تنامي موجة التدين وغلبة الخطاب الديني على الدولة والمجتمع والثقافة، فإن الفكر والخطاب المتطرفين والعنفيين يستمدان وجودهما وتأثيرهما، ويجدان ملاذات آمنة ومجانية.
ولم يعد كافيا أن تحظر الجماعات المتطرفة والإرهابية وتلاحق، طالما أن مصادر التفكير المتطرف والعنفي والكاره، راسخة وممكّن لها في الشأن الديني العام والرسمي، والتعليم والثقافة السائدة. وستظل احتمالات العنف والتطرف قائمة ومحتملة، ويمارسها أشخاص لا علاقة لهم بالجماعات المتطرفة والإرهابية، والكثير منهم لم يكن له علاقة تنظيمية أو معرفية بهذه الجماعات. بل إن الدولة والمجتمعات تجد نفسها في مواجهة نوع من التطرف والإرهاب أشد خطرا وخفاء من إرهاب وتطرف الجماعات المنظمة، لأنها حالات يصعب توقعها أو معرفتها قبل وقوعها.
غني عن القول إن الخطاب الديني ليس هو الدين، وإن كان ناتجا عن فهم الدين والعمل على تطبيقه والرجوع إليه؛ لكنه مجهود بشري يخطئ ويصيب، ويستلهم المرحلة والبيئة المحيطة به ويتأثر بها سلبا أو إيجابا، وقد يكون متقدما مبدعا أو عاجزا، ناجحا أو فاشلا، معتدلا أو متطرفا. وهو ليس خطابا واحدا كما الدين، ولكنه متعدد حسب قراءة النصوص والتجارب الدينية وفهمها، وما يؤثر في هذه القراءات من بيئة محيطة، ومحددات إنسانية، مثل اللغة والعلم والاتجاهات الفكرية والفلسفية والتحيز والنزاهة والأهواء والمصالح. فهو خطاب ينتسب في الحقيقة إلى أتباع الدين أكثر من نسبته إلى الدين، وإن كان الاستدلال على الدين من غير أتباعه يشبه الاستدلال على الحياة من غير الأحياء!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"قل هو من عند انفسكم" (يوسف صافي)

    الأربعاء 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    بداية استاذ غرايبة يجب التفريق مابين الآيات الكريمة المتمثلة بالكونية والتشريعية(الأحكام) اي الثابت والمتطور ؟الآية الكريمة التي اشرت نزلت لتبين للمسلمين حكم تصرقهم بموضوع الأسرى في احد ؟ امّا الإستدلال على الشيء لايقاس بالنفر القليل (الشاذ لايقاس عليه) وهل يعقل ان مئة الف على سبيل المثال يستدل من خلالهم دون حسبة المليار ونص مسلم؟ ولوج غير عادل
  • »أغلوطة التعميم (وحيد أبو ليلى)

    الأربعاء 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    اطلاق لفظة التطرف و العنف بمجملها ولوم التعليم و الفكر المنحرف عليها خطأ ...

    أليس في متخذي منهج العنف اليوم بعض الجماعات التي تدافع عن حقها الطبيعي في الحياة و الشرف؟ ألم نشارك في التصنيف والفرز لهذه الجماعات؟
    إذن، فكيف نصمها جميعها بالعنف و نلوم التدين على وضعها؟ فما بالك بالجماعات التي انتهجت العنف ولم يصنفها المجتمع الدولى على أنها إرهابية؟ من سيتحمل وزر عنف هذه الجماعات؟ لماذا لم يوجه أحد في التاريخ أية أصابع اتهام إلى التعليم و التدين كسبب لحركات التحرر الحقيقية و الانعتاق في القارات الخمس؟
    لماذا نستمر في استغفال أنفسنا والتظاهر بأننا لا نرى سبباً مادياً يوقظ العنف و يحفزه سوى أنفسنا.
    هل من الحق أن نطالب الذبيحة بالاستسلام للجزار؟