جميل النمري

في احتفالين

تم نشره في الاثنين 21 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:07 صباحاً

أستغل عمود اليوم لإشراك القارئ في مشهدين من أنشطة نهاية الأسبوع في إربد، وكانت كثيرة، في كل واحدة ما فيها من تداعيات ودعوة للتفكير.
الرحمة: اختار سيادة مطران اللاتين مارون اللحام، من اسم راعية المناسبة "سمو الأميرة رحمة بنت الحسن" موضوع كلمته في حفل الميلاد الذي أقيم في المركز الثقافي في الحصن. وكان حفلا رائعا، قدم فيه طلاب وطالبات فقرات مسرحية وإنشادية دينية مفعمة بالمحبة والأمل والوطنية.
دارت كل الكلمة حول معاني "الرحمة" التي يحملها الميلاد المجيد، كما تحملها الأديان كلها. فقفز إلى ذهني فجأة أمر فريد! ما هي العبارة التي نرددها كل يوم وفي كل مناسبة، ونبدأ بها كل خطاب وكل رسالة، كما تبدأ بها كل سورة في القرآن الكريم، وكل صلاة وكل عمل؟! أليست البسملة "بسم الله الرحمن الرحيم"؟! لاحظوا: من بين أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين تم اختيار اسم واحد لرب العالمين، وصفة واحدة في البسملة التي يتم ترديدها هكذا من دون التأمل في معناها.. ليس الجبار وليس القدير وليس العليم ولا أي اسم آخر، بل فقط "الرحمن". والاسم التالي هو توكيد للأول "الرحيم"!
إذا كانت هذه هي الصفة الأولى التي أراد الله للبشر أن يقرنوه بها، فكيف باسم الله نفسه ترتكب أعظم الفظائع وأكثرها قسوة وانعداما للإنسانية؟! كيف أمكن اختطاف الإسلام إلى أكثر النزعات وحشية ودموية، والممارسات الأكثر تطرفا في نقضها لمعنى الرحمة؟! ولنلاحظ أن الأمر لا يتعلق بتقديم أولوية الجهاد انتصارا للدين. فما الحاجة إلى إطلاق النار على رؤوس الأسرى والرهائن والمدنيين العزل، والتفنن في أساليب إعدامهم؛ تغريقا وتفجيرا وحرقا، سوى إعلاء شأن القسوة وانعدام الرحمة والضمير الإنساني، بل وتأليه الوحشية والرعب؟!
توجد الآن حرب نصوص ومرجعيات في الإسلام بين التطرف والاعتدال. لكن لنترك كل شيء، ونأخذ البسملة وحدها، وهي في الإسلام بداية كل صلاة وكل كلام؛ ألا تقول وحدها كل شيء عن الانحراف الشائن، بل الجريمة الكبرى بحق البشر وبحق الدين؟!
وصفي الفلسطيني: كان موضوع الاحتفال الرائع الذي أقامه شباب "كلنا الأردن" في ديوان آل التل في إربد، بمناسبة ذكرى استشهاد أيقونة الأردنيين، هو -بقصد أو من غير قصد-  وصفي التل فلسطينيا.
ضيفا الحفل للحديث عن وصفي التل كانا حيدر محمود شعرا، وعدنان أبو عودة نثرا. وقد أجاد كلاهما طبعا. وكشف أبو عودة عن مفاجأة، بعد أن حذّر من اغتيال وصفي مجددا، بتقديم إرثه كمعاد للفلسطينيين. إذ قدم وثيقة استثنائية مكتوبة بخط يده، قال إن دعوته لهذه الندوة كان لها الفضل في دفعه لينبش أوراقه والعثور عليها، وهي إملاء حرفي من وصفي له حول الموقف من المقاومة في الأردن في تلك الأيام العصيبة؛ العام 1970.
وأوضح أبو عودة كيف أن وصفي كان وطنيا أردنيا وفلسطينيا في آن، يملك قناعة عميقة بحتمية المواجهة مع العدو الصهيوني، ولديه رؤية لتوفير شروطها عبر البناء الذاتي، وليس المراهقة والمغامرة اللتين توديان بنا إلى هزائم جديدة. وكان قلقا من اجتياح إسرائيلي للجبهة الشرقية بحجّة القضاء على العمل الفدائي، يؤدي إلى إسقاط النظام في الأردن وفرض الوطن البديل وتصفية القضية الفلسطينية. وكان يريد تنسيقا وتفاهما مع العمل الفدائي لتجنب هذا الخطر، وتفاهما لإيجاد حل الفوضى الخطيرة للمليشيات التي اجتاحت المدن. إلا أنه برّأ وصفي كليا من أحداث أيلول، وقدم قراءة في تاريخ وصفي حتى آخر مشروع له قبل اغتياله لإنقاذ الأراضي الزراعية؛ بوقف البناء غربي عمان وتوجيهه شرقا.

التعليق