النقد الساخر يلغي حدود اللباقة

تم نشره في الاثنين 28 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:00 صباحاً
  • تعبيرية

ربى الرياحي

عمان- نخضع اليوم جميعا لسيطرة مواقع التواصل الاجتماعي ودورها الكبير والفعال في نقل الحدث وتحليله، لدرجة أننا لا نستطيع الانعتاق من قيودها التي باتت تكبلنا وترغمنا على التعلق بها وعدم الاستغناء عنها في أي حال من الأحوال.
ونسينا معها أن هناك قواعد وضوابط تحكمنا ينبغي علينا التقيد بها عند تعاطينا مع الآخر، حتى لا نقع في مصيدة النقد الساخر، ذلك الذي يعتبره الكثيرون سلاحهم الأبرز والأهم في مهاجمة أي موقف أو قرار يتعلق بالشخصيات العامة وربما أيضاً بشخصيات مجهولة لا نعرفها، فقط سلط عليها الضوء بعفوية بحتة غير مقصودة بدون أدنى اكتراث بمشاعر الآخرين وبتأثير تلك السخرية عليهم وعلى نفسيتهم التي قد تحبط  ليس بسبب الانتقاد وإنما بسبب السخرية الجارحة والمهينة التي باتت ملازمة للنقد مع الاستخفاف بقيمة الإنسان كإنسان وحقه في الاحترام حتى وإن اختلفنا معه في الآراء والتوجهات.
إن الكثيرين منا وتحديدا أولئك الذين استسلموا عن طيب خاطر للفراغ والعجز، هم الأقدر حتما على تحقير الأشخاص وتجريحهم، لأنهم ببساطة وجدوا في مواقع التواصل الاجتماعي وبخاصة "فيسبوك" و"تويتر" مكانا لهم يستطيعون من خلاله التنفيس عن كل ما يشعرون به، وربما أيضاً عن كل ما من شأنه أن يسليهم ويخرجهم من حالة الملل التي يعيشونها.
حتى أنهم قد يفكروا في استدعاء كل العقد النفسية التي غرست فيهم منذ الصغر وإسقاطها على أي قضية مهما كانت سخيفة وسطحية لعلهم ينتصرون ولو قليلا على إحساس التهميش الذي يحاصرهم ويمنعهم دائما من أن يكونوا أشخاصا إيجابيين ينتقدون المواقف بتعقل ولباقة.
فالحدث أيا كان سواء تعلق بقرارات حكومية أو أخرى شخصية، من غير اللائق أن يتحول نقاشنا عنه إلى سخرية لاذعة، تحرفنا عن مسار القضية وتجاهل المغزى الحقيقي منها، مفسرين استخدامنا لأسلوب السخرية على أنه نوع من المنكهات التي تضفي على الواقع المر القاسي طعما مختلفا يمكننا تدريجيا من استساغته وتقبله.
ونتناسى أن اللجوء إلى هذه الطريقة يخرج النقد حتما من شكله الحقيقي الذي من المفترض أن يبقى عليه حتى يتسنى لنا تغيير حاضرنا إلى الأفضل، مع محاولة جادة للتخلص من تلك التعليقات الجارحة والمهينة التي يطلقها أشخاص أخذوا على عاتقهم مسؤولية إضحاكنا مهما كانت الطريقة مزعجة للآخرين ومؤذية لمشاعرهم.
المهم بالنسبة لهم أن يبرزوا ويلمع نجمهم من خلال ما يكتبونه وأيضاً من خلال استخدامهم لكلمات غير لائقة لإيصال رأيهم، ظنا منهم أن سخريتهم المشوهة هذه ستطبع الحدث بطابع فكاهي يخفف من متاعب الحياة وقسوتها. لا تعنيهم أبدا تلك المواضيع المهمة التي تحتاج منهم إلى معالجة سريعة ومنصفة، بل على العكس تماما يخضعونها لسخرية قد تكون ممنهجة إلى حد كبير تلغي معها حدود الأدب واللباقة والتوجه العصري المتحضر لمفهوم النقد. ذلك الذي تشوه بسبب قلة الوعي حتى أصبح لا قيمة له. يركز في أساسه فقط على النكتة الساخرة التي تقلل من شأن الأشخاص وتتعدى على حقهم في الاحترام.

التعليق