جميل النمري

هل أصبح العالم مكانا أفضل للعيش؟

تم نشره في الجمعة 1 كانون الثاني / يناير 2016. 12:09 صباحاً

هل نعيش في عالم أفضل أم أسوأ؟ هل تتحسن حياة الناس أم تتراجع؟
طبعا، يعتمد الجواب على زاوية النظر، والمعايير المرجعية. فالعالم حتما يتقدم، وبصورة فائقة التسارع، علميا وتكنولوجيا. وينعكس ذلك على كل مناحي الحياة؛ السلع والخدمات والاستهلاك والتنقل والاتصال. لكن قد لا يكون كل ذلك هو ما يمدّ الإنسان بالرضى والسعادة، فكثيرون يرون أن الحياة بوسائلها القديمة والبسيطة والمتواضعة، كانت أجمل وأسعد. وهذا موضوع سجال دائم، إنما الحقيقة أن الـ"نوستالجيا" للقديم لا تصمد أمام حقيقة أن الحياة كانت أصعب وأكثر شظفا. ولا يمكن لأي شخص أن يقبل العيش في الظروف القديمة، وينبذ كل وسائل الرفاهية الحديثة؛ الماء الساخن والبارد في البيت، والحمام الملحق بغرفة النوم، والكهرباء والتدفئة، والثلاجة والغسالة والتلفزيون والفرن والميكرويف ووسائل التنقل الحديثة، وأخيرا "الموبايل" والإنترنت. لحظة مقارنة صريحة واحدة تقول إننا نعيش رفاهية غير مسبوقة. وما يزال التقدم يعدنا بالمزيد. وخلال حياة جيل واحد، يحدث من التقدم ما يزيد على حدث في حياة مئات الأجيال المتعاقبة. ويمكن أن نتصور أنه خلال قرنين؛ أي مع العصر الصناعي واكتشاف الكهرباء، تغير نمط الحياة التي لم تتغير بصور جوهرية منذ بدء الحضارة. فالإنسان على مدار ثلاثة أو أربعة آلاف عام يملك وسائل المعيشة والعمل والرفاهية نفسها تقريبا، مع تحسينات طفيفة كل بضع مئات من الأعوام.
منذ ظهور الطباعة الحديثة بصف الأحرف، واختراع  الألماني غوتنببرغ لأول مطبعة في القرن الخامس عشر، لم تتغير في الجوهر وسائل نقل المعارف؛ أي من خلال التناقل اليدوي للكتب والمطبوعات. ثم خلال سنوات قليلة ماضية، وقعت ثورة معلوماتية جعلت كل معارف العالم ومعلوماته وبياناته وإنجازاته في متناول أي فرد، صغيرا أم كبيرا، غنيا أم فقيرا، على جهاز الحاسوب أو "الموبايل" الشخصي. ثم تستطيع وأنت جالس على الأريكة أن تشاهد في عرض حي على التلفاز كل الأماكن في العالم؛ المدن والغابات والبحار وعجائب الطبيعة والبناء، كما كل الأحداث في ساعتها، أو الموثقة في التاريخ منذ ظهور التصوير الفوتوغرافي ثم السينمائي. وما يتوفر لليافع اليوم من إطلالة على المعارف والأحداث، ووسائل التسلية والترفيه، لم يتوفر لأي جيل آخر. وأولاد اليوم هم بالتأكيد أكثر ذكاء ونضجا ووعيا واستمتاعا بالحياة من أي جيل سابق. والأمر لا يخص الفقراء أو الأغنياء، بل بالمتوسط العام، معظم وسائل الحياة الحديثة تتوفر بصورة أو بأخرى للجميع.
من جانب آخر، يبدو وكأن العالم في حركة دائرية، وأحيانا أسوأ! فهناك حروب وعنف ومظالم ومجاعات وكوارث شتى. بل إن وسائل القتل أصبحت أكثر تدميرا بما لا يقاس، وهي تستخدم فعلا. والإنسان لم يصبح أكثر إنسانية. لكن بالتفكير قليلا، فإننا نقيس أسوأ الظواهر بمعايير اليوم التي انتشرت فيها مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية، لكن ذات يوم كان القتل والسلب والنهب واستعباد البشر وسلطة الأقوى، جزءا طبيعيا من الحياة. وما قام به تنظيم "داعش" من عمليات استرقاق وسبي نساء وبيعهن، نظرنا إليه جميعا كممارسة خارج العصر والعقل والمنطق، وتمثيل كاريكاتوري غبي لما كان ممارسة شائعة وعادية في أزمنة أخرى.
العالم لم يكن أقل عنفا، والإنسان كان ضحية لأخيه الإنسان في السابق أكثر مما هو عليه اليوم. وعلى الأقل، فإن كل ما يحدث الآن من عنف، يقاس بمعايير اليوم ويدان بشدّة، ويلزم المجتمع الدولي التصرف إزاءه. وأصبح هناك مراجع دولية للمساءلة والمحاسبة والمحاكمة، تتحسن سلطتها تدريجيا. ولا شك أن أعمال عنف ومجازر وإبادات ومظالم فظيعة ما تزال تقع، لكنها لم تعد تمر وتُنسى. وتمارس وسائل الإعلام الرقابة، وتنقل الحقائق لرأي عام أصبح معترفا به، ومؤثرا عبر كل وسائل الاتصال.
قد لا نصل إلى جواب عن السؤال الأبدي بشأن معنى السعادة. لكن أعتقد، بموضوعية، أن عالم اليوم رغم كل شيء، أفضل من اليوم السابق.

التعليق