مرشحو الرئاسة الأميركية مقابل العالم

تم نشره في الأربعاء 6 كانون الثاني / يناير 2016. 12:00 صباحاً

كريستوفر ر. هِل*

دنفر- في سباق الماراثون السياسي المعروف باسم الحملة الرئاسية الأميركية، كثيراً ما تُستخدم السياسة الخارجية للدلالة على "صرامة" المرشح. وفي المقابل، كثيراً ما يتناول المرشحون القضايا المحلية بأساليب الغرض منها هو استعراض التمكن من التفاصيل (بل وربما يطرحون في بعض الأحيان برنامجاً يكاد يكون من المؤكد أنه سيذهب إلى طي النسيان في حال الفوز).
ربما يزودنا تركيز مرشحي الرئاسة الأميركية على مثل هذه القضايا بقدر من الإلمام بحكمتهم الدنيوية. ولكن الغرض يتلخص في نقل استجابة المرشحين لهموم المواطن الأميركي العادي، وهذا يعني أن السياسة الخارجية تتراجع عادة إلى آخر الاهتمامات في الحملات الرئاسية.
لكن السياسة الخارجية تحتل في عامنا هذا بؤرة الاهتمام. ذلك أن القضايا التي تواجه الولايات المتحدة -الاضطرابات في سورية والشرق الأوسط، والعدوانية العسكرية الروسية، وبروز الصين بوصفها شريكاً اقتصادياً (وبيئياً) وخصماً استراتيجياً في الوقت ذاته- تجعل هذه السياسة أكثر أهمية من أن تصبح موضع تجاهل ببساطة. ولكن، في حين يشير هذا إلى أن المرشحين يحتاجون إلى استعراض تمكنهم من السياسة -بل وحتى حنكتهم في إدارة الدولة بين الفينة والأخرى، فإنهم يكتفون بدلاً من ذلك بطمأنة الناخبين إلى أنهم قادرون على "الحفاظ على سلامتنا"، وكأن هذا قد يكون مفيداً بأي قدر في التوصل إلى كيفية لضمان البقاء والازدهار في عالم اليوم.
كانت السياسة الخارجية الأميركية تقليدياً متأرجحة بين التدخل والعزلة. واليوم، أصبح الأمر أشد تعقيداً. فمع تزايد وضوح الخطر الذي يهدد الولايات المتحدة مع كل هجوم إرهابي، يتحول أنصار الانعزال إلى أشد المتحمسين للتدخل. ولكن مبدأهم في التدخل يميل إلى كونه أحادياً. وبعبارة أخرى، بوسعنا أن نقول إن الأحادية هي أممية الانعزاليين.
الواقع أن قدراً كبيراً مما يُسمِعنا إياه المرشحون يلائم هذا الإطار. ذلك أن هذا المزاج الفكري، حيث يصبح من الواجب حل مشاكل عديدة منفصلة وبسرعة (وفي أغلب الأحيان من خلال التوظيف المكثف للقوة العسكرية)، يزاحم العمل الدبلوماسي التحضيري الشاق اللازم لإنجاح السياسة الخارجية في الأمد البعيد. وعلى سبيل المثال، لا ترقى دعوات السيناتور تيد كروز التي تنادي بالقصف المكثف للمناطق التي يحتلها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية حتى تسويتها بالأرض، إلى ما يزيد على فهم ضبابي لا يتعدى التصور بأن هناك آفة لا بد من إبادتها.
إن تنظيم "الدولة الإسلامية" آفة بالفعل، وهو خطر يهدد رفاهة الجميع. ولكن الناخبين الأميركيين (وبقية العالم) يحتاجون إلى أي إشارة تدل على أن المرشحين الرئاسيين قادرون على تفسير الكيفية التي وصلت بها تلك الآفة إلى هناك في المقام الأول، وما العمل الواجب لضمان عدم عودتها إلى الظهور في مكان آخر. وربما ينجح استعراض المعرفة والحكمة في طمأنة الناخبين إلى أن المرشح يتسم بنهج في التفكير ينطوي على ما يزيد على مجرد معالجة الأعراض ببساطة.
على سبيل المثال، هل يعتقد أي مرشح أن التحالفات مهمة للحفاظ على رفاهة أميركا؟ من المؤكد أن هذا كان اعتقاد المرشحين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ ولكن، في مناظراتهم المباشرة التي تبثها محطات التلفزيون وفي حملاتهم الانتخابية، يبدو أنهم يبرهنون على ضآلة فهمهم للدور الذي لعبته الترتيبات الأمنية المؤسسية (ناهيك عن القانون الدولي) طوال السنوات السبعين الماضية.
يدرك الأميركيون على نحو متزايد أن مواجهة المشاكل والتحديات الداخلية كثيراً ما تنطوي على مقايضات مؤلمة. ولكن، عندما يتعلق الأمر بالمشاكل والتحديات الخارجية، فإن أي اعتراف بأن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تحصل دوماً على ما تريد يتم تصويره وكأنه علامة على الضعف في الدفاع عن حرية الأميركيين أو أمنهم. وقد ذهب دونالد ترامب بهذا النهج إلى أبعاد قصوى جديدة -خرج علينا متفوقاً على المعسكر الجمهوري بأسره.
يستند الوعد الذي بذله ترامب بجعل أميركا "عظيمة مرة أخرى" إلى افتراض غير صحيح. فالواقع أن أميركا عظيمة مسبقاً وكانت كذلك طوال القرن المنصرم. أما التحدي الحقيقي، الذي نحاه شعار ترامب الأخرق جانباً، فهو الحفاظ على عظمة أميركا والإبحار عبر مشهد دولي معقد على النحو الذي يطرد من أذهان أصدقائها أي شكوك بشأن عظمتها ويردع خصومها عن تحديها.
من الواضح أن السياسة الخارجية المستدامة من غير الممكن أن تشكل كل شيء في نظر كل الناس، ويتعين على المرشحين الرئاسيين أن ينقلوا لناخبيهم هذا الفهم بقدر أكبر من الوضوح. ذلك أن فن الحكم الناجح يتطلب اتخاذ اختيارات جيدة وضمان قدرة السياسات على إحداث النتائج المرغوبة.
بالرغم من كل الانتقادات الموجهة إلى الرئيس باراك أوباما (وخاصة الاقتراح بأنه يستمر في تأمل الوقت الذي يكون من الواجب على الولايات المتحدة أن تتدخل فيه)، فقد برهن في تعامله مع العديد من القضايا بشكل دائم على أهمية فهم المقايضات -المخاطر والفرص- التي تنطوي عليها سياسة بعينها أو مسار عمل مخصوص. ومن المؤكد أنه لا يوجد بديل عن التعلم من خلال العمل؛ بيد أن الناخبين يحتاجون بالرغم من هذا إلى سماع ما هو أكثر من الشعارات المستهلكة والقدح السياسي، حتى يتسنى لهم أن يتخذوا قراراً مستنيراً في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016.
سوف تحتدم الحملة الانتخابية في وقت حيث تواجه الولايات المتحدة مجموعة هائلة من المشاكل الصعبة. كيف ينبغي لها أن تتعامل مع ما تخلقه الصين من حقائق على الأرض في بحر الصين الجنوبي؟ وهل يستمر ضم روسيا لشبه جزيرة القرم إلى الأبد؟ وكيف قد يتسنى لأميركا أن ترد بقوة وصرامة على العدوان الروسي من دون التخلي عن مشروعها طويل الأمد، المتمثل في التقريب بين روسيا والغرب؟ وهل يوجد بديل عن إعادة القوات البرية إلى الشرق الأوسط؟
الواقع أن التساؤلات من هذا النوع وفيرة في مواجهة عامة الناس في أميركا، عندما يصبح لزاماً عليهم أن يتخذوا القرار بشأن مرشحهم المفضل. ولا شك أن حصولهم على الفرصة للقيام بذلك بالقدر الواجب من الجدية التي تستحقها مثل هذه الأمور سوف يتوقف إلى حد كبير على المرشحين أنفسهم.

*مساعد سابق في وزارة الخارجية لشؤون شرق آسيا، وسفير أميركا إلى العراق، وكوريا الجنوبية، ومقدونيا وبولندا، ومبعوث أميركا الخاص إلى كوسوفو، ومفاوض في اتفاقيات سلام دايتون، وكبير المفاوضين الأميركيين مع كوريا الشمالية في (2005-2009). وهو الآن عميد كلية كوربِل للدراسات الدولية، جامعة دنفر.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق