أشباح كوريا الشمالية

تم نشره في الجمعة 8 كانون الثاني / يناير 2016. 12:00 صباحاً

يوريكو كويكي*

طوكيو- يرى أغلب الناس أن قدوم العام الجديد يستوجب لحظة من التأمل في ما صادف النجاح وما يحتاج إلى تغيير. بيد أن هذا لا ينطبق على شعب كوريا الشمالية. ففي ذلك البلد الذي يلفه الظلام، ليست "قرارات العام الجديد" حقاً من اختيار المواطنين العاديين. هناك يعتمد ما يحدث لهم كلياً على قائدهم الأعلى كيم جونج أون، الذي ينطوي عادة على جنون العظمة والارتياب المقيت والحرمان.
الواقع أن مواطني كوريا الشمالية يتحملون الكثير مما قد لا يتسنى للغرباء أكثر من مجرد تصوره نظرياً. ولنتأمل هنا "السفن الأشباح" الغامضة التي تحملها إلى بحر اليابان كل خريف رياح جنوبية غربية. إنها في واقع الأمر قوارب بسيطة صغيرة (طولها نحو عشرة أمتار)، ومجهزة بما يزيد قليلاً على معدات صيد الأسماك الأساسية. وبعضها فارغ؛ وبعضها الآخر يحمل جثث موتى مجهولين. وفي الشهر الماضي فقط، عُثِر على ثلاثة عشر قارباً وست وعشرين جثة (أغلبها متحللة بدرجة كبيرة مسبقاً). وفي العام 2014، ظَهَر أكثر من هذا الصيف بنحو ستين قارباً.
كانت بعض القوارب ومحتوياتها تحمل علامات بالخط الكوري الهانغولي. وكان أحدها يحمل علامة مكتوبة بخط اليد، تفيد بأنه ينتمي إلى الوحدة 325 من جيش كوريا الشمالية. واحتوى قارب آخر على قطعة قماش بالية ممزقة يبدو أنها كانت ذات يوم جزءاً من علم كوريا الشمالية. وإذا أضفنا إلى كل هذا الحالة الخربة التي كانت عليها القوارب ونقص تجهيزاتها، فإن الاستنتاج بأنها تنتمي إلى كوريا الشمالية يبدو مؤكداً إلى حد كبير.
لكن ما يصعب تمييزه هو الغرض من هذه السفن، ولماذا تبحر بهذه الأعداد الكبيرة إلى شواطئ اليابان ومياهها الإقليمية. فهي تبدو أشبه بسفن الصين وليس السفن الحربية، وإن كان جنود كوريا الشمالية يمتهنون أيضاً مهنة صيد الأسماك في كثير من الأحيان.
وقد تردد على نطاق واسع أن القوارب كانت تحمل منشقين محتملين، خاصة وأنها تشبه قوارب كان قد وصل عليها منشقون أحياء إلى اليابان. ويشير تفسير آخر إلى أن القوارب تحمل ببساطة صيادين قرروا تحت الضغط من حكومتهم، وسعياً إلى زيادة دخولهم، أن يغامروا بالذهاب إلى عرض البحر. ومن المؤسف أن هذا التفسير معقول للغاية.
الواقع أن حكومة كوريا الشمالية لا تدخر جهداً في محاولة إخفاء العجز الشديد الذي تواجهه البلاد في المواد الغذائية، حتى أنها ذهبت إلى حد الكشف عن منشأة متقدمة لزراعة الخضراوات في الأماكن المغلقة بالقرب من بيونج يانج. ولكن الحقيقة هي أنه لم يطرأ أي تحسن مستدام  على الإنتاج الغذائي منذ المجاعة في تسعينيات القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، بالرغم من التسامح بقدر أكبر قليلاً مع الإنتاج الخاص للمزارعين.
على الرغم من أن كيم حدد هدف توفير "الغذاء من أجل الشعب" باعتباره بين ثلاث أولويات أساسية في العام 2015، فإن الاستثمار في هذا الجهد كان ضئيلاً. وحتى استئناف الإمدادات من الأسمدة من منظمة خاصة من كوريا الجنوبية لم يكن كافياً لإحداث فارق حقيقي.
ومع تسبب عوامل مثل التربة البور وسوء الظروف المناخية في إعاقة الزراعة، كان من الواضح أن حكومة كوريا الشمالية تشجع عدداً متزايداً من قوارب الصيد على الإبحار لمسافات أبعد في عرض البحر بحثاً عن صيد أكبر. ونظراً لسوء حالة القوارب، فليس من المستغرب أن لا يعود كثير منها إلى الديار.
ليست سفن الأشباح هي المصدر الوحيد للتساؤلات والتكهنات حول كوريا الشمالية. ففي الشهر الماضي فقط، قررت فرقة مورانبونج التي تتألف كلها من فتيات -والتي يُقال إن كيم نظمها ويتولى رعايتها بنفسه- إلغاء أول أداء علني لها في الصين، والذي كان من المقرر أن يحضره مسؤولون من الحزب الشيوعي الصيني. وبعد وصول الفرقة بالقطار إلى بكين، سرعان ما حُمِل أعضاؤها على متن طائرة عائدة إلى بيونج يانج.
وتكهن بعض المراقبين بأن أغنية تشيد بالبرنامج النووي الكوري الشمالي كانت أكثر من قدرة قادة الصين على التحمل، وخاصة بعد أن أعلن كيم (وربما كذباً) أن نظامه فجر قنبلة هيدروجينية. ويعتقد آخرون أن كيم استشاط غضباً بسبب أخبار قالت إن الرئيس الصيني شي جين بينج وغيره من كبار القادة الصينيين لن يحضروا الحفل الموسيقي. وعلى أي حال، يبدو أن العلاقة مع الصين، التي طالما اعتمدت عليها كوريا الشمالية، تصبح متوترة على نحو متزايد.
أما عن علاقة اليابان مع كوريا الشمالية، فإن التوقعات تظل بعيدة كل البعد عن كونها وردية. فقد تعثرت المناقشات بشأن اختطاف كوريا الشمالية لمواطنين يابانيين في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين -وهو ما يشكل عائقاً رئيسياً يحول دون إقامة علاقات رسمية بين البلدين. وقد أصرت كوريا الشمالية بعناد على خطها الرسمي الذي يزعم أن ثلاثة عشر يابانياً فقط اختطفوا؛ وأن ثمانية منهم ماتوا وخمسة أعيدوا إلى اليابان قبل حتى أن يصلوا إلى بيونج يانج.
وتصر اليابان -ولسبب وجيه- على أن عدد المختطفين أكبر. ذلك أن المختطفين الخمسة الذين تم تسليمهم في العام 2002 كان من بينهم هيتومي سوجا، الذي لم يكن ضمن المختطفين الثلاثة عشر المعترف بهم. وهذا من شأنه أن يخلق انطباعاً بأن كوريا الشمالية ربما ما تزال تحتجز بعض ضحايا الاختطاف لاستخدامهم كأوراق مساومة في المناقشات بشأن التعاون الاقتصادي.
وتواصل اليابان المطالبة بإجراء تحقيق شامل جديد في هذه المسألة، بالرغم من أن كوريا الشمالية لم تكن متعاونة حتى الآن. وأثناء المحادثات الثنائية في ستوكهولم في العام 2014، وافق نظام كيم على إجراء تحقيق جديد، في مقابل موافقة اليابان على رفع بعض العقوبات بمجرد بدء التحقيق. ولكن في شهر تموز (يوليو)، أخطرت حكومة كوريا الشمالية الحكومة اليابانية عن نيتها تأجيل تقديم نتائج إعادة التحقيق.
ولكن، إذا قدمت كوريا الشمالية التقرير في نهاية المطاف متضمناً أسماء بعض المختطفين المتاحين لإرسالهم إلى اليابان، فكيف ينبغي لحكومة رئيس الوزراء شينزو آبي أن ترد؟ إن مثل هذا النوع من التلاعب قد لا يستحق زيارة يقوم بها آبي إلى كوريا الشمالية أو رفع العقوبات.
هكذا ينتهي العام غريب آخر (وهو ما يجعله عاماً آخر مماثلاً للأعوام السابقة) في تاريخ كوريا الشمالية. ويكمن العامل الوحيد الذي يشير إلى أن العام 2016 قد يكون مختلفاً في تباعد كوريا الشمالية عن الصين. وربما يكون بوسع اليابان أن تغتنم فرصة التوتر في تلك العلاقة لإحراز بعض التقدم في محادثات أخرى، ولنقل بشأن القضية النووية. بيد أن السؤال الرئيسي يظل ما إذا كان كيم قادراً أو راغباً في العمل من أجل المصالح الحقيقية لبلاده، وليس في سبيل تحقيق أوهامه الخيالية.

*وزيرة دفاع سابقة ومستشارة سابقة للأمن القومي في اليابان. كانت رئيس المجلس العام لحزب اليابان الليبرالي الديمقراطي.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق