في الإصلاح اللغويّ: "الانحطاط في اللسان" مؤذِنٌ بخراب "العمران"

تم نشره في الجمعة 12 شباط / فبراير 2016. 12:00 صباحاً

د. نارت قاخون

هل في عنوان "المقال" مبالغة غرضها الإثارة كما يحدث مع العناوين عادة؟
جوابي هو: لا. فليس في "العنوان" مبالغة، بل هو وصف أراه موافقاً لشأن اللغة في الوجود الإنسانيّ؛ فالإنسان كائن مقيم في اللغة، منها يغدو وإليها يروح، فأفكاره لغة، وتصوّره للواقع والحياة لغة، وتواصله مع الكون والإنسان هو باللغة وفي اللغة، وهي التي تميّز الإنسان عن غيره من الكائنات بوصفها الناطقة عن عقله.
ولا يخفى على كثير من القرّاء أنّ هذا العنوان توزيع جديد لعنوان أحد فصول "مقدمة ابن خلدون" وهو "الظلم مؤذن بخراب العمران"، فكيف يكون "الانحطاط اللغويّ" ظلماً؟
قالت العرب:"مَن صحّ لسانه صحّ عقله"، وصحّة العقل صحّة الإنسان ضرورة، وأضيف مستعيراً ما قاله "كونفوشيوس" حين سئل عن القضيّة التي ستكون أولويّة له إذا ما صار مسؤولاً عن أمر البلاد، إذ أجاب:"إصلاح اللغة وتصحيحها"، ثمّ فسّر قائلاً: "إذا لم تكن اللغة صحيحة، فإنّ ما يُقصد لا يُقال، وما يُقال لا يُقصد، فما ينبغي أن يُنجز لن يُنجز، ومتى لم يُنجز ما ينبغي إنجازه انحطّت "الأخلاق" و"الفنون"، وحين تنحط الأخلاق والفنون، فإنّ "ميزان العدل" سيختلّ، ومتى اختلّ ميزان العدل ضاع النّاس وتاهت بهم السبل. لذلك يجب التخلّص من التخبّط في القول والغلط فيه قبل كلّ شيء".
بهذه السلسلة من الأسباب والنتائج يتبيّن لنا أثر "الانحطاط في اللسان" حتى يصل الأمر إلى "اختلال ميزان العدل" الذي يؤدّي إلى "الفساد" ثمّ "خراب العمران"، فإنّ غاية اللغة أن تحقّق التواصل بين بني الإنسان تواصلاً يقوم على "التعبير الصحيح عن المقاصد" ويؤدّي إلى "الفهم الصحيح للمقاصد"، فيعرف المتحدّثون عمّا يتحدّثون، فإمّا أن يتّفقوا وهم يعرفون على ماذا اتفقوا، أو أن يختلفوا وهم يعرفون لماذا اختلفوا.
وهنا أشير إلى أنّ "الإصلاح اللغويّ" ومقابله "الانحطاط اللغويّ" ليس محصوراً في النحو والصرف كما يتبادرعند الحديث عن "الصحة اللغويّة"، بل الأمر أعمّ من ذلك وأعمق وأخطر شأناً، فنحن نعيش حالة من "التيه الفكريّ والواقعيّ" يُشكّل "التيه اللغويّ" أحدّ أهمّ أسبابه ومظاهره معاً، فنحن نستعمل في سياق تداولنا اللغويّ ولاسيما الثقافيّ جملة كبيرة من "المفاهيم"، يبدو في "الظاهر" أنّ معناها واضح ودلالتها محدّدة ومصاديقها بيّنة. وهذا الوضوح هو الأصل والمقصد من اللغة والكلمات، فحين أتحدّث عن "الشجرة" يفهم المتلقّي ما أقصد، ويستطيع تصوّر مصداق كلامي، فيوافقني إذا قلتُ: "رأيتُ "شجرة" ترتفع أكثر من 20 متراً"، ويرفض قولي:"رأيت "شجرة" تمشي"، فما يتصوّره عن "الشجر" ويفهمه يُمكّنه من ضبط ما يُقال فهماً ومقصداً، ثمّ موافقة أو مخالفة. وكذلك لو قال قائل: "فلان يعاني من الحمى"، أو لو قيل: "مُناخ عمّان في الربيع معتدل". هذه جمل ومفاهيم يُمكن تحقيق أكبر قدر من "التوافق الفهميّ والمقصديّ" فيها؛ لأنّها تُحيل إلى "ذوات ماديّة" لها وجود "واقعيّ"، أو تعتمد "مقاييس ومرجعيّات واضحة نتّفق عليها". ولهذا ينشأ "التيه اللغويّ" حين نتحدّث بمفاهيم "معنويّة" أو "كلمات" تتجلّى معانيها في "الأذهان"، ولا نملك "مقاييس متّفقة" لتحديد "مصداقها" أي ما يصدق ويصحّ أن يوصف بها.
ومن أمثلة هذا "التيه اللغويّ" مفاهيم مثل "الإسلاميّة" و"العلمانيّة" و"الوسطيّة" و"الاعتدال"، فهي مفاهيم تبدو مفهومة واضحة في السياق المعجميّ المجرّد، ولكنها متى دخلت "السياق التداوليّ"، وأصبحت الحاجة ملحّة لمعرفة "ماذا نقصد؟"، و"مَن نقصد؟" بالاستعمال، وجدنا أنّ هذه المفاهيم تسبب "اللبس والغموض والاضطراب" بعكس مقصد اللغة من وضع "المفاهيم"؛ فما المعايير والضوابط التي تحكم تداولنا الجماعيّ لوصف شيء بأنّه "إسلاميّ" مثلاً؟ هل هو بكون "الفاعل" مسلماً أو شيخاً؟ أم هو "الفعل نفسه" وانطلاقه من مفاهيم إسلاميّة؟ وإن أجبنا عن هذا السؤال انتقلنا إلى سؤال آخر: ما مقاييس كون "المفهوم" إسلاميّاً؟ وكذلك الأمر في "العلمانيّة"؛ فـ "العلمانيّة" "علمانيّات" كما الإسلاميّة "إسلاميّات". ووصل الأمر إلى الاضطراب في مفهوم "الإسلام" نفسه، يوازيه اضطراب أشدّ في مفهوم "الكفر".
وهذا التيه حاضر بقوّة عند استعمال مفهوم "الوسطيّة والاعتدال"؛ فإذا كانت اللغة المعجميّة تقول لنا إنّ "الوسطيّة" و"الاعتدال" وسط بين تطرّفين، أو هي خير الأمور وأحسنها، فما الضوابط والعيارات التي نستخدمها وتحظى بالقبول العام التي تمكّننا من تحديد من يتّصف بهاتين الصفتين؟ ويزيد من التيه أنّ مثل هذه المفاهيم يدّعيها كلّ خطاب واتجاه، فلن تجد فئة تصف خطابها بـ"التطرّف"، أو "الإفراط" أو "التفريط"، فهذه مفاهيم أشبه بـ"ليلى" في الشعر العربيّ، التي يدّعي الشعراء وصلاً بها، ولكن هل تقرّ لهم "ليلى" بذلك؟
هذا "التيه اللغويّ" ملازم للخبرة الإنسانيّة اللغويّة منذ أن كان الإنسان الناطق الأوّل، وقد يقول قائل إنّه لا سبيل للخروج من هذا "التيه" خروجاً نهائياً في التجربة الإنسانيّة، فسيظلّ هذا التيه ملازماً للوجود الإنسانيّ والخبرة الإنسانيّة.
أتفق جزئياً مع هذا الطرح، ولا أدّعي أنّ "الخروج من التيه اللغويّ" ممكنٌ بإجراءات سهلة ومباشرة، ولكنّني أزعم أنّ ضبط هذا "التيه"، وتقليل فوضاه أمر ممكن بل واجب في سياق التطوّر الثقافيّ والحضاريّ، وأوّل ما يُمكن في هذا "الضبط" هو تحقيق "الاتساق" بين "المفاهيم" و"دلالالتها" عند الإنسان نفسه، أي أن يعي مستعمل هذه "المفاهيم" الدلالات التي يقصدها، والمعاني التي يُريدها، فإذا سئل عن ضوابط استعماله لكلمات مثل "إسلاميّ" و"علمانيّ" و"وسطيّ" و"اعتدال" استطاع بيان هذه "الضوابط"، وحينها يُمكن أن نوافقه أو نخالفه ونحن نعلم مقصوده ومصداق مفاهيمه، فإذا دعا إلى "العلمانيّة" وعرفنا أنّه يعني "نزع الدين من الحيّز العموميّ" و"رفض المكوّن الدينيّ في السلوك الإنسانيّ العام والخاص" كنّا على بيّنة ممّا يُريد، فنوافقه أو نخالفه. لكن حين يكون مراد المتكلّم غير ما يفهمه المتلقّي صارت الموافقة أو المخالفة أفعالاً "عبثيّة" لا تؤدّي إلا إلى مزيد من "التيه والاضطراب والفوضى"، وهذا "التيه" يقود إلى "خراب في مفاهيم العدل والإنصاف" مّا يؤدّي إلى "الفساد" فخراب العمران، ولاسيما حين ترتبط "المفاهيم" بأحكام "دينيّة" أو "قانونيّة" لها تبعات "عقابيّة"، ممّا يجعل "المفاهيم الضابطة الحاكمة" مفاهيم "محكومة" بإرادة "السلطة السياسيّة والثقافيّة" تتلوّن بغاياتها ومقاصدها.
إنّ اختلاف "العيارات والمرجعيات" وغياب "الاتساق المفهوميّ" ينتقل بنا من "المأزق اللغويّ" إلى "المأزق الفلسفيّ الوجوديّ"؛ فالوضع "الفلسفيّ" مأزقاً وحلاً لا يكون إلا حين يتّصل الأمر بالإطار المرجعيّ والمقاييس الحاكمة، فاعتراض "كثير من المؤسّسات والشخصيّات الدينيّة" على "داعش" خطاباً وممارسة، ليس اعتراضاً "فلسفيّاً" مرجعيّاً، بل هو "اعتراض" على "درجة الخطاب والممارسات"، أو "شروط تنفيذ الفعل" لا "الفعل نفسه ومرجع الخطاب بأصله"، لذلك يسهل أن يدّعي "أشخاص" أو "جماعات" أو "مؤسسات" أنّهم "وسطيّون" و"معتدلون" فقط بالقياس إلى "الممارسة والخطاب الداعشيّ". لذلك على الموقف الفكريّ أن يحفر عميقاً ليكشف عن "الجذور الفلسفيّة" التي تنشئ هذه "الخطابات".
لا سبيل لتقليل وطأة التيه إلا بتحقيق أكبر قدر من الاتساق المرجعيّ والاتفاق المفهوميّ عبر عمليات حفر وتصحيح لغويّ ومفهوميّ تُعيد موضعة "مفاهيمنا ولغتنا" في إطار مرجعيّ ينسجم وما نحتاجه وما نريده في سياق واقعنا ومستقبلنا الوجوديّ والحضاريّ، فيُمكن اختزان التدافع الإنسانيّ والحضاريّ في "التدافع اللغويّ والمفهوميّ"، و"المنتصر" في الواقع هو مَن تنتصر "مفاهيمه ودلالاته" والإيحاءات النفسيّة التي يريدها لهذه المفاهيم، فتصبح جزءاً من "التداول الشائع والسائد المقبول". وينبغي على مَن يؤمن بأفكار ومفاهيم معيّنة أن يعي أنّ تحقيق "الشيوع والسيادة" لمفاهيمه جزء لا ينفصل عن مهمته الحضاريّة والواقعيّة، وهذا يتطلّب "تحريراً" لكثير من المفاهيم، و"تحويلاً دلاليّاً" في مفاهيم أخرى، و"إنشاءً جديداً" لمفاهيم ضروريّة؛ فاللغة وعاء الوجود ودليله، فمن يتبنّى مفاهيم "نهضويّة" فعليه أن يؤثّث لها في "النسيج اللغويّ المجتمعيّ الشائع" تأثيثاً يحظى بالقبول النفسيّ والتلقّي الإيجابيّ، ومن دون ذلك لن تكون مفاهيمه إلا "حديث نفس" لا أثر له في "النّاس والواقع".

التعليق