حبّك (برص) ؟!

تم نشره في الأحد 14 شباط / فبراير 2016. 12:02 صباحاً

زمان كانت نظرة واحدة على الغدير تكفي لأن تأسر القلوب وأن تؤجج المشاعر وأن يبدأ سهر الليالي. 
لم يكلمها بعد فألهمته النظرة أن يصبح شاعرا ويكتب لها ألفا من أبيات الشعر، لم يعرف اسمها بعد فاختار من نظرة العيون لها ألف اسم واسم. لم يصدفها مرة ثانية بعد إلا أنه رسم القمر على  ملامحها وأصبح يحاكيه ويسهر معه حتى الفجر.
مع أنهم كانوا يتسابقون لقتل (الضبع)، الا أنهم كانوا أجبن الناس عند التعبير عما في قلوبهم. فكان  يوميا ينتظرها عند الغدير دون أن يجرؤ على أن يعبر لها عن حبه. وكم من واحدة ملت من النظرات ومضى العمر مسرعا على أن يتكلم ولم يتكلم.  فتزوجت من غيره حتى لا يفوتها القطار!
كان من السهل أن تميز أفراد القبيلة العاشقين، فهم دائما المرضى، وهم دائما الذين ما لهم خاطر في الزاد، وهم دائما الشعراء الذين لا يكتبون الا للعيون الكحيلة، فهم لا يعرفون من الحب سوى نظراتها .. لعلها رحمة من رب العالمين؛ فإن كانت النظرة تقتلهم وتدمرهم ماذا كانت ستفعل الكلمة بهؤلاء الطاهرين لو سمعوها. 
انتقلوا الى المدينة وأصبح الدرب درب المدارس، بقينا على جزء كبير من خجلنا وصدقنا وطهارتنا. مع بداية الفصل يبدأ التخطيط لتسليمها ورقة (فولسكاب) عليها مخطط القلب وما بداخله وفي بعض الاحيان كانت تلزم ورقتان فالقلب كبير والعشق كبير والحلم كبير. يتم تعطيرها بالكالونيا ووضعها داخل مغلف مكتوب عليه إلى التي أهواها. فالأسماء كانت من المحرمات، كان كل يوم ينتظرها عند المدرسة ولا يجرؤ على تسليمها. يمضي الفصل مسرعا وينفد الصبر وتنفد الكالونيا من الحارة كونه يقوم بتعطيرها يوميا، ويأتي موعد الامتحانات فيتيقن أنه إن لم يفعلها اليوم فلن يفعلها بعد ذلك. يرميها ويولي مسرعا فتلتقطها هي مسرعة وتسابق الريح حتى تصل المنزل. بعد كل هذا الصبر تفتحها وتحضنها كل دقيقة،  فيلاحظ الجميع أن حركاتها أصبحت غير طبيعية، ورائحة الكالونيا أصبحت تملأ  كل أرجاء المكان، وحين يتم تتبع منبع الكالونيا ويتم العثور بسهولة على ورق ( الفولسكاب )  يتم تزويجها فورا لابن عمها خوفا من العار؛ لذلك كانت ضحايا (الكالونيا) في الأردن أكثر من ضحايا مفاعل ( فوكوشيما) !!
داهمتنا وسائل الاتصال الحديثة، ولم يعد للحب أي معنى؛ فلا معاناة على الدرب، ولا طهارة في القلب، فأصبح الحب ( رقما ) من سلسلة أرقام، ولم يعد هناك حاجة (للفولسكاب) طالما الشركات أصبحت توفر مزيدا من الحزم. إذا لم (تلقطها) على الفيسبوك قد تجدها على (الواتس أب) متصل أو على تويتر او الماسينجر، وإذا تعذر كل ذلك فقد تصدفها على (سكايب).
لم تعد تشتاق طالما 24 ساعة متصلا، ولم تعد تعاني طالما بكبسة زر تصل اليها حتى لوكانت تقشر بصلا ولم تعد تكتفي بنظرة طالما الجهاز فيه كاميرا!!
تغيرت الحياة وازدادت متاعبها، ولم يعد آباء اليوم لديهم قناعة أن هناك (حبا)، فحين يأتي الشاب ويقول لوالده: انا بحب يابابا، فيقول له: شو بتشتغل يا بابا؟! فإن كان جوابه: موظفة وراتبها 500 دينار ومعها سيارة فيقول له : عرفت تختار يا بابا! اما إذا كان جوابه: بنت جيرانا الراسبة توجيهي فيقول له: حبك (برص) يابابا!
إلى اصحاب القلوب الحمراء واللفحات الحمراء والورود الحمراء .. تريد أن تصدق بوعدك لها كشف الراتب الأبيض والأسود اليوم أصبح  أكثر صدقا وتعبيرا!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابدعت (طه عفانه)

    الأحد 14 شباط / فبراير 2016.
    لن يفهم هذا المقال الى من تعايش مراحله فالحب اصبح like
  • »ضاع الدفء (ايهاب عبيدات)

    الأحد 14 شباط / فبراير 2016.
    للأسف كلما ازدادت سطوة التكنولوجيا في حياتنا ضاع الدفء وخفتت حدة الحميميه وتبعثرت المشاعر الانسانيه في مجتمعنا
  • »مش طبيعي (نور)

    الأحد 14 شباط / فبراير 2016.
    مقال أكثر من رائع وتستلسل جذاب وعفوية في الكلمات تسحر القارئ اشكرك وننتظر المزيد
  • »إبداع (إيهاب)

    الأحد 14 شباط / فبراير 2016.
    أنت مبدع....