عدنان فرزات يذهب لغرفة صغيرة تعزف في منتصف الليل لحن الخلود

تم نشره في الاثنين 15 شباط / فبراير 2016. 12:00 صباحاً
  • الروائي عدنان فرزات - (ارشيفية)

عزيزة علي

عمان- يرسم الروائي السوري عدنان فرزات، المقيم في الكويت، ملامح المكان من ذاكرة يعتمرها مشوار مرير في غرفة صغيرة مرصعة بحجارة، قديمة ضاربة جذورها في عمق التاريخ، ومن نافذتها المهترئة يرنو للسماء، ويشتم رائحة المطر، فيستبشر بزرع أخضر ينبت في أعماق قلبه وردة ليهديها لأمرأة مسنة، تعزف في منتصف الليل لحن الخلود.
• أي الأمكنة التي تجتاحك رائحتها الآن، وترغب بقضاء عزلة مؤقتة فيها؟
تباغتني الآن -بعد سؤالك- رائحة غرفتي التي عشت بداخلها في بداية مشوار كفاحي المرير. كانت غرفة صغيرة وبائسة، صنعت الرطوبة في دهان جدرانها فقاعات شاحبة، وفيها نافذة استبدلتُ زجاجها المكسور بلوح من الكرتون، وأثمن قطعة أثاث تحتويها، طاولة خشبية تخرج منها نتوءات تخزني كلما جلست للكتابة.. في هذه اللحظة تجتاحني رائحة الرطوبة والخبز الذي يعلوه عفن أخضر، وقطعة سماء صغيرة، تطل من فجوة في كرتون النافذة التي اهترأت بالمطر. كانت الغرفة منخفضة عن مستوى الأرض، أنزل إليها بعدة درجات حجرية مكسرة، لكن هذه الدرجات لم تخذلني يوماً وتطيح بي كما الانزلاق الذي تسببه السلالم الحجرية الحديثة المصنوعة من بلاط أو مرمر أملس، ربما للحجارة القديمة روح بداوة أصيلة لا تخون. حقاً أتوق الآن لأن أترجل عن شرفتي الوثيرة لساعة من الزمن، كي ألوذ بتلك الغرفة.
• في مثل تلك العزلة، ثمة كتاب تحن إلى قراءته بهدوء، أي الكتب تود مرافقتك هناك؟
أريد كتاب كولن ويلسون “ضياع في سوهو”، فأجواء هذا الكتاب تشبه غربة روحي آنذاك. ربما أن الكثيرين الآن يقولون: “ما هذا النكد..؟ غرفة بائسة وكتاب بوهيمي”، ولكنني على يقين بأن أكثر الأمكنة رسوخاً في الذاكرة، هي التي تحرك الشجن فينا، لأن الفرح عابر ولا يُحدث ندبات غائرة في الروح.
• في العزلة نحتاج لصفاء تام. يقال إن الموسيقى تأخذنا إليه، فأي موسيقى تهدهد روحك هناك؟
صوت كمان كان ينبعث من بيت مجاور لغرفتي عند منتصف حزن الليل، كان العازف امرأة مسنة تعيش عزلة تشبه عصفوراً نسيه الشتاء في كوّة جدار عتيق. كذلك تلك الجارة الستينية التي تركها جحود أولادها كفاصلة موسيقية فوق خمسة خطوط لنوتة موسيقية على ورق أصفر. لم تتأخر السيدة يوماً عن موعد العزف إلا حين انطفأت روحها ذات انتظار لصوت موسيقاها امتد لأيام قبل أن يستيقظ ضمير أبنائها من سبات الجحود، ولكنهم وصلوا متأخرين عن رضاها.. لقد فارق اللحن روح المكان.
• ما هي أجمل الصور التي تحب أن تراها في عزلتك؟
لا تضحكي.. كنت مغرماً بصورة أميرة موناكو كارولين، فكنت في أول حياتي أعلق صورتها على جدار غرفتي، وكلما أتلفت الرطوبة الصورة، أحضرت غيرها.. يوجد اليوم الكثير من الصور للأميرة كارولين على الإنترنت، ولكن ليس لها الوقع ذاته الذي كان لصورها المعلقة على جدران غرفتي البائسة. كانت هي الترف الوحيد في غرفتي إلى جانب قطعة الأثاث الغالية التي هي طاولة الكتابة.
• ستكون وحيدا، لو جنت العزلة ورفضت بقاءك مع نفسك وكتابك وموسيقاك، فأي الأشخاص تختار أن يكون قريبا منك؟
أختار والدي يرحمه الله، لا أريد منه سوى أن يسمح لروحه أن تزورني، سأُجلس روحه على مقعد وثير، وأغسل القدمين بماء الورد، وألملم قطرات الوضوء المنهمرة من كوعيه.. وأتطهر بها. وسيكسر والدي قاعدة سؤالك، لأنه لن يأتي وحده، سيصر على أن تكون روح أمي معه، بكل الأحوال هما منسجمان حتى لتظنينهما شخصاً واحداً.

• عدنان فرزات إعلامي وروائي سوري مقيم في الكويت صدر له: الروايات “جمر النكايات”، “رأس الرجل الكبير”، “كان الرئيس صديقي”، “لقلبك تاج من فضة”، “تحت المعطف”، وصدر له كتاب “لا تسأل أحداً: كتابة القصة على طريقة أحسن القصص”، وشارك في مسرحية قدمها المعهد العالي للفنون المسرحية على خشبة المسرح العام 2013 في مهرجان الكويت المسرحي المحلي بعنوان “عنق الزجاجة”، وتدرس روايته “رأس الرجل الكبير” على طلبة الدراسات العليا ضمن مادة “أعراف الكتابة والتأليف” في جامعة “سيدي محمد بن عبدالله” في فاس العام 2012.

aziza.ali@alghad.jo

التعليق