جميل النمري

رحيل هيكل

تم نشره في الجمعة 19 شباط / فبراير 2016. 01:09 صباحاً

رحل العملاق محمد حسنين هيكل. وسوف أكتب من زاويتي كيف عاصرناه وتابعناه على مدار نصف قرن.
كنا نسير إلى ثانوية إربد صباحا، أثناء حرب الاستنزاف العام 1969، والصوت الجهوري لبائع الصحف الشهير يهدر معلنا عن مقال هيكل. ويغرينا بعبارات حماسية فريدة، مع أن المقال ليس خطابا قوميا، بل تحليل طويل النفس مبسوط على صفحة كاملة في صحيفة "الأنوار" اللبنانية باتفاق مع "الأهرام"، وله وظيفة سياسية مختلفة. إذ غالبا ما تضمن رسائل سياسية وجس نبض وإيحاءات. وقد كان هيكل، كما سنعرف لاحقا، قناة عبدالناصر مع الأميركيين، ومنظر اليمين الناصري، وكان محل نقد وهجوم من اليسار. وكتب الشاعر أحمد فؤاد نجم عنه الأغنية الساخرة بصوت الشيخ إمام "بصراحة يا مستر ميكي".
وبالفعل، دعم هيكل انقلاب السادات على الناصرية. لكن عندما عارض السادات لاحقا، سجنه مع آلاف المعارضين. وقد كان يغار منه ولا يطيق استقلاليته وكبرياءه وحبه لعبدالناصر، ويريد تحطيم مكانته المرموقة محليا ودوليا. ثم اغتيل السادات وكتب هيكل "خريف الغضب"، فسحق شخصية السادات تماما. لكن رواياته عن السادات وزعماء آخرين كانت في كثير من عناصرها محل تشكيك؛ إذ درج هيكل أن يكتب عن الزعماء بعد رحيلهم، وينقل حوادث وأقوالا بلا شهود غيره. ورغم الذاكرة الاستثنائية المشهودة لهيكل، فليس معقولا حسب حوار أتذكره مع نهرو، أنه حفظ حرفيا ومن دون تسجيل حوارا على مدار ساعتين، ثم دونه كاقتباس بعد سنوات على الورق.
إلى جانب هذا، وبالرغم منه، كان هيكل أكبر موثق في تاريخ الصحافة. وكانت كتبه عن قضايا العصر الكبرى في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية وما بعدها، غنية بالتوثيق من أرشيف القوى الكبرى ومن زعامات عالمية سياسية ودبلوماسية وثقافية وشبكة علاقات عزّ مثيلها لصحفي. وهو يتمتع لدى الجميع بمكانة، ويحظى باهتمام يفوق زعماء دول. وخلق التباسا غريبا بين شخصيته كسياسي وكاتب صحفي لا يطاول قامته ولو من بعيد أي صحفي آخر. وكان يفاجئ العالم أيضا بوثائق من أرشيفه الخاص، ليست لدى أي جهة أخرى، لتدعيم روايته وتحليله. ولعله كان صاحب أكبر أرشيف شخصي لصحفي في التاريخ الحديث.
كان زاهدا بالسلطة السياسية حتى زمن عبدالناصر، مفضلا عليها دور الصحفي والكاتب صاحب النفوذ والحظوة. وقبل لفترة محدودة بمنصب وزير الإعلام بضغط من عبدالناصر، وكان أكبر مؤرخ للحقبة الناصرية، ووضع نفسه شاهدا من قلب الحدث على كل مفصل فيها. وتشاء الصدف دائما أن يكون له دور حاسم في القرارات المفصلية. لكنه عبر كتبه كان كذلك لكثير من الأحداث الأخرى. وفي النهاية، أصبح مؤلفا لأهم الكتب عن تاريخ المنطقة الحديث، ينهل من بحر غير محدود من الاطلاع والمعايشة الشخصية لأكثر المحطات سخونة في تاريخ المنطقة؛ من حروب وثورات ومفارقات سياسية ودبلوماسية. وبهذه الصفة كشاهد على العصر، أصبح مرجعا وعلما وظاهرة تُكتب عنه الأبحاث والدراسات، ونجما للفضائيات التي عاش مرحلة صعودها الصارخ، وعبر أبرز محطّة "الجزيرة"، وبرنامج أسبوعي شهير استبدل فيه رواية التاريخ عبر الكتب بروايته عبر الشاشة، وبدرجة لا تقل جاذبية ومتعة. وقد بقي الطلب عليه فائقا. ولا شك أنه جنى الكثير من المال في هذه المرحلة وقبلها، مما مكنه أن يعيش بالطريقة الارستقراطية الكامنة والظاهرة في شخصيته، والمترافقة مع صفات النظام والدقة الفائقة والذاكرة.
وما يجدر قوله أنه بقي بثبات يعبر عن موقف ملتزم وغيور وطنيا وقوميا، يستخدم معرفته وخبرته في مواجهة السياسات الأميركية والغربية في المنطقة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"السؤال المشروع" (يوسف صافي)

    الجمعة 19 شباط / فبراير 2016.
    كم من قلم كسر(بضم الكاف) وكم كاتب اغتيل وكم من صحيفة اغلقت وكم من كاتب دخل السجن؟؟ في ظل زمن السيطرة والغطرسة الصهيونية والهزائم العربية؟؟ والقارئ لبرتكولات آل صهيون يجد من اولوياتها السيطرة على الإعلام العالمي ؟ (انظر سيطرتها على الصحف العالمية وتحكمها بالإعلام وادواته وشخوصه) وكم من الكتّاب تم تلميعه وسطعت نجوميته من خلال اجهزتهم؟؟( ومن يخرس المدفع يصعب عليه كسر القلم)وحتى لااطيل من خلال متابعة السيد هيكل وغور كتاباته ونتائج الإعلام المصري في زمن المرحوم عبد الناصر؟ وتضليل الساحة العربية ومنذ ذلك الوقت يساورني الشك ان السيد هيكل وقع في الفخ والأنكى ان كتابته كانت سبّاقة لم قد يجري وكأن من يخطط وينفذ يزوده بالمعلومة من أجل جس النبض وردة الفعل وتمهيد القارئ للحدث ؟؟ ولاننسى مردود الحقبة التي لمع فيها ومخرجات الإعلام المصري مابعدها ؟؟؟