إشكالية الأمن والمشروع الحداثي المتكامل

تم نشره في الأربعاء 9 آذار / مارس 2016. 01:09 صباحاً

الحادثة الإرهابية التي كادت تتم الأسبوع الماضي لولا يقظة وكفاءة الأجهزة الأمنية، تؤشر إلى أمرين في غاية الأهمية. الأول، أن الشعب الأردني بجميع مشاربه وآرائه وتنوعه السياسي والثقافي والديني والجندري، متوافق تماماً حول الأجهزة الأمنية، ويقف بكل قوة ضد أي فئة تحاول العبث بأمن البلاد. فالهبة الشعبية العريضة التي وقفت مع أجهزتنا الأمنية كانت عفوية وسريعة، ولم تأت نتيجة تجييش من أحد، بل لأن هناك إجماعا عاما على الأمن والأمان في هذا البلد؛ إجماعا يتجلى بكل وضوح حين يحاول أحد العبث بهذا الأمن، من أبو مصعب الزرقاوي إلى "داعش"، إلى أي مجموعة إرهابية أخرى.
الأمر الآخر، هو أن هذه المجموعة الإرهابية، أو بعض أفرادها على الأقل، أردنية؛ لم تتسلل من وراء الحدود، بل أتت من عقر دارنا، وهناك مجموعات أخرى على الأغلب ما تزال مختبئة، تحاول انتهاز الفرصة المناسبة لمحاولة ترهيبنا، ولو أن فرص النجاح لهذه المجموعات ضعيفة بفضل وجود هذه اليقظة والاحتراف من قواتنا الباسلة.
إن تمعنّا في هذين الأمرين معاً، ندرك أن وقوف الشعب الأردني وراء أجهزته الأمنية حين يتعلق الموضوع بأمن الوطن، لا يحول دون تحول فئة ضالة منا نحو الإرهاب. ما يستدعي معالجة منهجية للأسباب التي تؤدي إلى ذلك.
المقاربة الأمنية طالما حمت وستبقى تحمي هذا البلد الحبيب إن شاء الله. لكن هذه المقاربة يجب تدعيمها وموازاتها بمقاربة سياسية اقتصادية مجتمعية تعالج الأسباب التي أدت وستؤدي بالبعض إلى انتهاج طريق الضلال. ولا يجب أن نخاف من تبني هذه المقاربة الأخيرة بالتوازي مع الأمن، لأن الشعب الأردني موحّد في مجال إرادة الخير للبلد وبغالبيته الساحقة. وبالتالي، فإن هذا التوحد لا يجب أن يغفل عن الأسباب التي تؤدي إلى الارهاب بل على العكس؛ ينبغي أن يكون عاملاً محفزاً لتنفيذ رؤية واضحة ومتقدمة للدولة العصرية الحداثية، لأنها مدعومة بقاعدة شعبية عريضة تقف وراء القيادة الهاشمية والنظام الأردني.
في العام 2005، وبعد التفجيرات الإرهابية لثلاثة فنادق في عمان من قبل جماعة أبو مصعب الزرقاوي الذين قدموا من خارج البلاد، جاءت حكومة غلب عليها الطابع الأمني للتعامل مع هذه التفجيرات. وفي حين نجحنا في استتباب الأمن لفترة طويلة، يأتينا اليوم تهديد من أفراد لم يأتوا من الخارج، بل هم منا وفينا، يقطنون بيننا ويحاولون ترهيب الناس من الداخل.
المؤمّل أن تأتي الحكومة المقبلة لا لتكتفي بمعالجة الجوانب الأمنية؛ إذ آمل بحكومة يكون فيها فريق اقتصادي يضع خطة واضحة لمعالجة الاختلالات المزمنة للاقتصاد الأردني، وعلى رأسها معالجة البطالة التي وصلت إلى ثلاثين بالمائة بين الشباب، وبما يشكل قنبلة موقوتة حقيقية. وأتطلع لحكومة يكون فيها فريق تربوي لا ينكر الحالة البائسة التي وصل إليها التعليم في الأردن، بل يضع خطة طويلة الأمد لوضع فلسفة جديدة للتعليم تشجع التسامح واحترام الآراء والمكونات الأخرى في المجتمع، وتؤسس لمواطنة متساوية حاضنة للتنوع، وتنفذ ذلك ممارسة داخل الصف وليس بشكل سطحي كما هي الحال حالياً. وأحلم بحكومة همها ليس فقط معالجة المواضيع الآنية سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بل التخطيط طويل المدى والتأسيس لمستقبل مستقر ومزدهر.
لا تنقصنا الخطط لذلك. ما ينقصنا هو إدراك أن هذه المقاربة ليست ترفاً، وأنه بينما نحن منهمكون في أمورنا الآنية، هناك من يخطط للمدى البعيد لتخريب هذا البلد والترويج لثقافة تكفيرية ستعيدنا قرونا إلى الوراء. ما ينقصنا هو الإرادة للولوج الواثق في مثل هكذا مشروع، مدركين أن الأغلبية الساحقة من المواطنين والمواطنات ستقف خلفه كما تقف وراء أجهزتنا الأمنية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نحو مواطنه متساويه حاضنه للتنوع (د.محمود الحياري)

    الخميس 10 آذار / مارس 2016.
    نعم نحو مواطنه حاضنه للتنوع في كل مكان وفي كل مجال وهذا هو سبيلنا الوحيد للولوج للحداثة والتقدم والازدهارواللحاق بركب الدول المتقدمة بدلا من اللهاث للحاق بها دون فائدة نشكر السياسي المخضرم معالي المعشر مروان على اضافته القيمه والشكر موصول للغد الغراء عبر فضائها الرقمي الحر والله الموفق
  • »"الشاذ لايقاس عليه" (يوسف صافي)

    الأربعاء 9 آذار / مارس 2016.
    طالما الأغلبية من الشعب الأردني وهذا واقع الحال تشكّل هذا النسيج القوي في وجه الإرهاب وتلاحمها مع القوى الأمنية دفاعا عن الوطن؟؟ لما التقليل من حالة التعليم والوصف اليائس له ؟اليس كل هذه الغالبية العظمى هم خريجي دور التعليم وقارضي مناهجها ؟؟ وما تبقى من فئة قليلة شاذة لايقاس عليها ؟؟ مع التنبيه ان الولوج والتغني المتسارع نحو الحداثة وبريقها دون الموائمة على ما نحن عليه من قيم وموروث وثقافة وعقيدة محصلتّه "صراع المعايير" الحاضنة والمفرخّة للعنف والصراع" ولايغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
  • »جذور الارهاب (شاكر موسى)

    الأربعاء 9 آذار / مارس 2016.
    الطرق المتبعة حالياً للتعامل مع الارهاب المعتمد على نظرية الدين السماوي وفلسفة الغيبيات من قبل المجتمع الدولي ، والتي تشمل على الاستهداف الشخصي لقيادات ومنتسبي هذه المنظمات الارهابية وهدم بنيانها العضوي و بناء اجهزة حماية وردع والتجهيز المتواصل لاحدث واكفئ انظمة الانذار وغيرها، قد تعطينا نوع من الشعور بالفوز على الارهاب والراحة النفسية للحصول على الامن والستقرار، ولكنها ، بنظري الشخصي ، لا ترتقي للحل الشامل والطويل الامد. والسبب الرئيسي في ذالك هو عدم تطرق هذه الحلول الى جذور الموضوع والفلسفة المسنده لمقومات الارهاب والتي تعمل بصورة مستمرة على تكوين واعادة تكوين عامل التطرف والتحريف للفكر الارهابي. علينا ان نتحلى بالشجاعة وعدم الاكتراث بالخروج من نمط محيطنا المعتاد وان نتعمق في جذور المشكله للتوصل الى النتائج المطلوبه لبناء وطن قائم على اسس المواطنة العادلة والمتكافئة لجميع افراده.