أسلمة الجريمة: كيف يجند "داعش" المجرمين المحنكين؟

تم نشره في السبت 2 نيسان / أبريل 2016. 01:00 صباحاً
  • الشرطة البلجيكية أثناء اعتقال المشتبه به في تخطيط هجمات بروكسل، صلاح عبد السلام – (أرشيفية)

فلوريان فليد وألفرد هاكنغزبيرغر – (داي ويلت) 29/3/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

حتى بينما يفقد تنظيم "داعش" الإرهابي الأرض في سورية والعراق، يقوم جهاديون بجلب الحرب إلى العواصم الأوروبية من خلال شن هجمات إرهابية مخططة بدقة. وهو سيناريو مدفوع بنوع جديد من الأنماط الجرمية.
*   *   *
برلين – بدأت في الآونة الأخيرة لعبة بحث واختفاء خطيرة بين "داعش" وأجهزة الاستخبارات الأوروبية، والتي تمكن فيها التنظيم الإرهابي من خداع هذه الأجهزة والتغلب عليها حتى الآن. وقد مات أكثر من 160 شخصاً وجُرح أكثر من 700 شخص نتيجة للهجمات الإرهابية التي شنها تنظيم "داعش" في أوروبا منذ 13 تشرين الثاني (نوفمبر). وتمكن الإرهابيون من جلب مشاهد الحرب بنجاح إلى المدن الديمقراطية في القارة العجوز.
ولم تكن الهجمات الإرهابية مخططة مقدماً وقبل وقت طويل من تنفيذها، لكنه كان قد تم الإعلان عنها للعالم أيضاً. ولم تكن أجهزة الاستخبارات الأوروبية مهتمة كثيراً عندما بدأ "داعش" حملته القاتلة في سورية والعراق قبل أكثر من سنتين. وكانت أجندته مقتصرة على "الاحتلال الإقليمي للمزيد من الأرض"، من أجل "كسب منطقة أوسع ليمارس فيها تأثيره". واعتقد مسؤولو الاستخبارات أن تنظيم القاعدة كان ما يزال يشكل خصماً أكثر خطورة وأفضل تنظيماً بكثير من "داعش".
لكنه تبين أن ذلك التصور كان في مملكة الأمنيات. فقد جند "داعش" في الحقيقة آلاف المقاتلين من الغرب ودربهم في معسكراته، وعلمهم كيف يجمعون القنابل، وكيف يتعاملون مع البنادق الهجومية ويطبقون التكتيكات القتالية للقوات الخاصة. وأسس التنظيم بنجاح خلايا نائمة عبر كامل أوروبا، مع لوجستيات مصاحبة ومساعدين واقفين على أهبة الاستعداد. وأنشأ بنية إرهابية تحتية أصبحت تمكنه الآن من الهجوم في مدن أوروبا، وبلا رحمة. كما أن توقيت شن هذه الهجمات ليس عشوائياً أيضاً.
في الأسبوع الماضي، قال هولغر مونش، رئيس مكتب الشرطة الجنائية الفيدرالي الألماني: "لقد تم إضعاف ما تدعى الدولة الإسلامية في سورية والعراق. ويضع ذلك المجموعة الإرهابية تحت الضغط، ويتطلب منها تنفيذ هجمات إرهابية مذهلة من أجل جلب الاهتمام واظهار القوة".
وقد فقد "داعش" في الحقيقة ما يصل إلى 40 في المائة من مناطقه في العراق، ونحو 20 في المائة منها في سورية. ووجه كل ذلك ضربة معنوية لأفراد المجموعة الإرهابية، كما يقول الفارون والمنشقون عنها.
قبل عام من الآن، كانت المجموعة تريد أن تغزو العالم، وهي تجد نفسها الآن على جانب الدفاع. وقد تمكنت القوات الحكومية السورية من استعادة مدينة تدمر الأثرية في الأيام الأخيرة، وستكون الرقة هي التالية. لكن المجموعة، بينما قد تخسر الأرض في الشرق الأوسط، ما تزال قادرة جداً على شن هجمات إرهابية في الغرب، وربما الآن أكثر من أي وقت مضى. وقد كتبت المجلة الأميركية "فورين بوليسي" قبل بضعة أيام أن "داعش جريح هو داعش خطير".
مجرمون يأتون للتدريب
تمكن أسلوب "داعش" المحترف فيما يتعلق بتخطيط الهجمات واللوجستيات وعدد المؤيدين داخل أوروبا، من أخذ المحققين الأوروبيين بالمفاجأة. فحتى الآن، كان هؤلاء المحققون يفترضون أن الجهاديين يستفيدون من الإرهابيين الأفراد، أو ما يدعى استراتيجية "الذئب الوحيد". وكانت دعاية "داعش" قد دعت دائماً إلى شن المزيد من هجمات الهواة لقتل من يدعَون "الكفار". وقالت المجموعة أن التخطيط لمثل هذه الهجمات "لا ينبغي أن يكون معقداً"، وفقاً لمجلة "دابق" الدعائية التي يصدرها التنظيم. وبغير ذلك، فإن هذه الهجمات ربما تفشل أو يتم اكتشافها مبكراً.
لكن تخطيط الإرهاب أصبح معقداً الآن، كما تبين في الآونة الأخيرة. وقد جندت المجموعة في المعظم مواطنين فرنسيين وبلجيك، بعضهم صدرت لهم جوازات سفر سورية مزورة ثم تم تهريبهم إلى أوروبا متنكرين في زي لاجئين –وهو شيء آخر لم تتوقعه أجهزة الاستخبارات الغربية.
لكن الأمر الذي يقلق أجهزة الاستخبارات الأوروبية حقاً وأكثر ما يكون ليس الكفاءة المتقدمة في التخطيط، وإنما ظهور نوع من الإرهابيين الجدد أيضاً. ويبين تحليل الخلايا الإرهابية البلجيكية-الفرنسية أن العديد من الجهاديين كانوا مجرمين مسبقاً، شباباً سبق لهم الاصطدام بالقانون بدءً من سن مبكر.
وتشمل الأمثلة على ذلك الأخوين خالد وإبراهيم البكراوي، اللذين شنا الهجمات الإرهابية في بروكسل -في المطار ومحطة المترو على التوالي. وكان كلاهما قد وقفا أمام المحكمة عدة مرات، بل ونالا أحكام سجن طويلة أيضاً. وكان خالد قد سطا على مكتب تصريف للعملة وهاجم رجال الشرطة المستجيبين للواقعة ببندقية كلاشنكوف هجومية، بينما كان شقيقه معروفاً أكثر بسرقة السيارات.
يقول موظف ألماني في أحد الأجهزة الأمنية، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه: "إننا نتعامل الآن مع جيل جديد من الجهاديين. هؤلاء الناس كانوا مجرمين أكثر أو أقل نجاحاً، وهم الآن إرهابيون ناجحون". ووصف هذا التطور بأنه "أسلمة للجريمة" بإيقاع بالغ السرعة.
ويعطي ذلك "داعش" ميزة اكتساب مجندين جدداً لهم صلات بعالم الجريمة السفلي الذين يشكلون هم أنفسهم جزءً منه. وقد تمكن مرتكبو هجمات باريس وبروكسل من الحصول بسهولة على جوازات سفر مزورة، وتمكنوا من الاعتماد على داعمين لتزويدهم بأماكن آمنة للاختباء.
كانت معرفة كيفية التهرب من الشرطة والسلطات القانونية بمثابة طبيعة ثانية لهؤلاء المجندين الجدد. وكذلك كان النوع الذي يتمتعون به من الاتصالات السرية، باستخدام العشرات من بطاقات الهاتف والهواتف الخلوية التي يُستخدم كل واحد منها ليوم واحد فقط. وكان ما قد يبدو تدريباً إرهابياً كثيفاً مجرد روتين يومي لهؤلاء المجرمين، الذين كانوا أصلاً تجار مخدرات أو من صغار المجرمين. وباختصار، لم يضطر قتلة باريس وبروكسل إلى تغيير أنماطهم السلوكية كثيراً لكي يخططوا وينفذوا هذه الهجمات.
يقول محمد محمود ولد محمدو من مركز جنيف لسياسات الأمن: "هذه الصلة بعالم الجريمة السفلي لم تكن توجد مع (أتباع) أسامة بن لادن". كانت دوافع تنظيم القاعدة قائمة على القناعات الأصولية الصرفة، في حين أن إرهابيي "داعش" ليسوا منغمسين كثيراً في مسألة الدوافع الأيديولوجية أو الدينية. لكنهم ينطوون مع ذلك على نفس التصميم.
وهذا بالضبط هو ما يقلق الأجهزة الأمنية الغربية أكثر ما يكون: "إنه يبيِّن كم هم الناس الذين نتعامل معهم خطرون"، كما يلاحظ مسؤول في المكتب الاتحادي الألماني لحماية الدستور. ويضيف: "حتى أن هناك المزيد من المؤيدين الذين يرغبون الآن في أن يصبحوا منفذين وأن يقوموا بتفجير أنفسهم".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:Islamization Of Crime: How ISIS Recruits Seasoned Criminals

التعليق