علاء الدين أبو زينة

لا تحقيقات عربية في "أوراق بنما"..!

تم نشره في الأربعاء 6 نيسان / أبريل 2016. 11:06 مـساءً

سوف يتأثر الكثير من الزعماء والنافذين الذين طالتهم الفضائح المالية الأخيرة في "أوراق بنما" –وإنما ليس العرب وليس في العالم العربي. ولم يتردد تقرير غربي مهم عن الحادثة في استنتاج البدهي: "بينما يواجه العديد من القادة الأوروبيين الذين ترد أسماؤهم في التسريبات تهماً بالتهرب الضريبي، فإن عدم وجود ضرائب في بعض الدول العربية، والمكانة التي يتمتع بها بعض القادة العرب الذين وردت أسماؤهم، تجعل من غير المرجح أن يواجهوا تداعيات مماثلة في العالم العربي".
بطبيعة الحال، كانت الجهات الصحفية التي حققت ونشرت المعلومات عن شخصيات عربية ليست عربيَّة ولا يمكن أن تكون. وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى الدور الملتبس للإعلام العربي السائد. ففي الأساس، يبدأ وجود الإعلام نفسه وينتهي بالجمهور. وعلى المستوى العملي البسيط، سوف يخسر المنبر الإعلامي "المستقل" مقومات وجوده وسبل ديمومته إذا لم يعد له مستهلكون يشترونه –حقيقة ومجازاً. وإذا كان المنبر المعني يسوِّق محتوى لا يلامس هموم الناس ويدافع عن قضاياهم ويتعقب الفاسدين الذين يفقرونهم، فإنه لن يتجاوز نقطة متدنية من الأداء الإعلامي، لا تتجاوز إمكار الناس بالمعلومات المعروفة. لكنه لن يستقصي لهم عن شيء مخبأ ينبغي فضحه والتخلص منه.
عندما ألجأت الأزمات المالية واندفاعة الإعلام الرقمي صحفاً رئيسية في أميركا والغرب على التوقف أو تقليص الكوادر، نعى المعنيّون أول ما يكون إضعاف الصحافة الاستقصائية، لأن إضعافها سيعني في المقابل توسيع مساحة الفساد والفاسدين، ومرور المخالفات بلا رقيب، والكثير مما يؤدي إلى تخريب المجتمعات والمزيد من عزل الفرد. لكن هذه المشكلة التي اعتبروها هناك حيوية، لم تكن مصدر قلق كبير للمشتغلين بالصحافة العربية، لأن التحقيق الاستقصائي عندنا –إذا كان ثمة شيء من هذا القبيل هنا- لا يؤدي مثل هذه المهمات المؤثرة بقوة على الأداء العام وشكل الدولة ومكوناتها.
على سبيل المثال، يستحيل تقريباً أن تنضم عدة مؤسسات صحفية عربية أو محلية معاً، وتشتغل على مدار عام من أجل فضح فساد زعماء وساسة وشخصيات ورجال أعمال كبار، كما فعلت الصحيفة الألمانية والاتحاد الدولي للمحققين الصحفيين وعشرات المؤسسات الإعلامية التي شاركت في تحليل "أوراق بنما". ولو افترضنا أن مؤسسة عربية واحدة خرجت بفكرة لإجراء تحقيق محلي في الفساد المالي من هذا المستوى، فإن الأغلب أن يحدث ما يلي:
أولاً، من شبه المؤكد أن رؤساء صاحب الاقتراح في المؤسسة المعنية سيحبطون مشروعه ويضعون عليه علامة (X) كبيرة، لأنهم يعرفون الحدود. ثانياً، إذا وجد صاحب الاقتراح حماساً ما من رؤسائه، فإن مؤسسته لا توفر له الوسائل والمساعدة اللازمة لإنجاز تحقيقه بكفاءة، وقد لا تزوده بفريق مساعد ولا بتغطية قانونية واعتبارية بحيث يسقط -إذا سقط- وحده. ثالثاً، إذا أُنجز التحقيق ووردت فيه أسماء كبيرة ارتكبت مخالفات، وحدث المستحيل ونُشر الموضوع، فإن الصحفي ومؤسسته سيواجهان ردود فعل عنيفة، قد تصل إلى سجن الصحفي وإغلاق المؤسسة. وإذا كان الشخص الذي طاله التحقيق نافذاً، فإنه ربما يهاجم المؤسسة بجيش من المناصرين الرعاع ويهدد بتحطيمها.
لذلك وغيره، الذي يحدث هو أن التحقيق الاستقصائي بمواصفاته العالية التي تجعله يكشف فساداً كبيراً ويطال رؤوساً كبيرة، يكون مستبعداً من الأساس في الإعلام العربي. ويتناقض هذا مع غريزة الصحفي، ومع الدور الأخلاقي للإعلام، ومع الدور العملي الرقابي المهم المناط (نظرياً) بالصحافة كـ"سلطة رابعة". لكن الصحافة العربية ليست سلطة رابعة ولا عاشرة ولا مَن يحزنون. وستكون لها سلطة (بمعنى المساهمة في التطهير الفعلي لمكامن العطب، وتحسين أحوال المواطن والوطن كله بمطاردة الوباء) فقط، إذا كان عقل السلطة الجمعي في البلد المعني مقتنعاً بأنه يريد ذلك، ويريد أن تعمل الصحافة معه كشريك، وليس كخصم أو تابع ذليل. وسيفعل ذلك فقط إذا كان ليس لديه ما يخشاه –فإلى ذلك الحين!
كنا –إعلاميين وجمهوراً- في عرض "أوراق بنما" مجرد متفرجين مندهشين، مثل مشاهدي فيلم "أكشن" هوليودي. في البداية يتأثرون ويتمنون أن يكونوا مكان البطل، وربما يتحمسون قليلاً ويجدون في أنفسهم شجاعة مستعارة طارئة، لكنهم يستيقظون في اليوم التالي "واقعيين" ويبحثون عن حائط يسيرون بجنبه، كعادة الأشياء.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طريق بنما كدرت مزاجنا! (معتوق)

    الخميس 7 نيسان / أبريل 2016.
    هل نحن خارج تغطية الزمن يا استاذي العزيز؟