استبداد 101: استراتيجية "داعش" الدعائية خارج العالم الافتراضي

تم نشره في الأربعاء 6 نيسان / أبريل 2016. 11:00 مـساءً
  • "نقطة إعلامية"، حيث تعرض الأفلام عن "داعش" على الناس في الفلوجة - (أرشيفية)

تشارلي وينتر – (لو فير) 31/3/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تقوم ما تدعى "الدولة الإسلامية" بإنتاج دعاية قوية، تلهم عشرات الآلاف من المسلمين بالسفر إلى سورية من أجل القتال، وتشجع مسلمين آخرين على تنفيذ عمليات إرهابية في بلدانهم الأصلية. ويحاول مروجو الدعاية الداعشية أيضاً غسل أدمغة أولئك التعساء بما يكفي ليكونوا تحت سطوة المجموعة.
على مدى السنوات القليلة الماضية، أنفقت "الدولة الإسلامية" كمية مذهلة من الطاقة في إطار سعيها إلى احتلال مكانة عليا في سلسلة الإمداد الجهادية العالمية. وبالنظر إلى سيطرة المجموعة المتواصلة على مساحات واسعة من الأراضي في العراق وسورية، وإعلانها "الخلافة" العابرة للحدود الوطنية، وهجماتها واسعة النطاق على المدنيين من باريس إلى جاكرتا، يقول البعض إن المجموعة الإرهابية حققت ذلك كله بكفاءة ملحوظة. ومع ذلك، لا يأتي هذا الوجود في أعلى سلسلة الإمداد الجهادي بلا عواقب. ولم تكن الأمور تسير في صالح "الدولة الإسلامية"، في الأشهر الأخيرة على الأقل: فقادتها يقتلون، ويصابون أو يقعون في الأسر بأعداد كبيرة، وشيفرة بنيتها التحتية المالية تتعرض للتفكيك والتقويض، ويواجه مقاتلوها الأجانب عقبات أكثر من أي وقت مضى.
مع ذلك، يمكن القول باطمئنان بأن "داعش" لن يذهب إلى أي مكان في أي وقت قريب، ولم تعد آفاقه المستقبلية بالغة الإشراق  -إلا إذا نظر المرء إلى جهوده الدعائية. وفي حقيقة الأمر، فإن الحياة رائعة في خلافة "الدولة الإسلامية"، وفقاً لدعاية التنظيم الرسمية: الزهور تتفتح؛ والصناعة تزدهر؛ وغزو روما (ما يزال) يلوح في الأفق. نعم، ربما كانت هناك "تراجعات تكتيكية" من مناطق كانت ذات مرة معاقل حصينة، لكنها كانت لمجرد تسهيل شن هجمات في الأماكن الأخرى. ونعم، كانت الضربات الجوية تدمر البنية التحتية وتقتل الجنود (والمدنيين، كما يُزعم) على أساس يومي، لكن "الأجهزة الأمنية" تسيطر على هذا، حيث تحدد "الجواسيس" وتقضي عليهم بالعشرات، مع نفس الضجة الدموية النموذجية. وكل هذا الحديث عن فقدان الأرض وتضاؤل الموارد المالية، كما تقول الرواية الرسمية، هي مجرد دعاية "صليبية" من التحالف. والأوقات صعبة، لكن ذلك يحدث لأن "الدولة الإسلامية" في حرب، وليس لأنها تخسر.
خارج معاقلها، من السهل على المعظم تفنيد هذه المزاعم. وإلى جانب حقيقة أن الوصول إلى دعاية المجموعة على الإنترنت يصبح أكثر صعوبة باطراد، تحولت نظرة الإعلام السائد إلى مسار المجموعة. والآن، أصبح الفهم الشائع في جزئه الأكبر هو أن الخلافة ليست على مسار تصاعدي، وإنما على مسار هابط –ولو أنه خطير.
لكن القصة مختلفة في تلك الأماكن التي تعتبرها "الدولة الإسلامية" عزيزة. في تلك الأماكن –حيث سردها الدعائي أكثر انتشاراً- ينتقل الوضع إلى استراتيجية إعلام خارج الإنترنت، والتي ضمنها تماماً تقريباً، ولوقت طويل، تركيز العالم على نظيرتها على الإنترنت. وتدور هذه الاستراتيجية حول آليتين: نشر إرث إعلامي صديق لـ"الدولة الإسلامية"؛ والقضاء على الوصول الحر إلى المعلومات.
فيما يخص المسعى الأول، أصبحت ذخيرة "داعش" خارج فضاء الإنترنت هائلة في حقيقة الأمر. وفي حين أن مروجي دعايته ربما يواجهون الآن مقاومة على شبكة الإنترنت، فإنهم يزدهرون حالياً خارج الإنترنت في معاقل الخلافة على ما يبدو. فليلاً ونهاراً، تبث محطة "البيان" الإذاعية التابعة للمنظمة برامجها على ترددات الموجات القصيرة، امتداداً من وسط ليبيا إلى شرق العراق، مع برامج تتراوح بين نشرات الأخبار، و"دروس التاريخ" والفتاوى على الهواء، والمشورة الطبية على الهاتف. وقد تحولت النشرة الإخبارية "النبأ" التي كانت سنوية في السابق إلى صحيفة أسبوعية تصدر كل سبت، مزودة بالمقابلات الحصرية، ومقالات الرأي، والرسوم البيانية. ويتم تسليم مطويات ومنشورات مكتبة "الهمة" الدعائية الدينية باليد إلى المقاتلين والمدنيين على حد سواء. كما أصبحت التقارير المصورة وأفلام الفيديو موجودة في كل مكان، وأكثر من أي وقت مضى.
كان الشيء الذي ساعد هذه الاستراتيجية النشطة للانتشار إلى حد كبير هو ما يطلق عليه اسم "نقطة الإعلام"، وهي تجربة "داعشية" بدأت بكوخ واحد من الألمنيوم أقيم في بلدة منبج السورية، لكنها تحولت منذئذٍ لتصبح دعامة أساسية للعلاقات العامة للمنظمة، والتي "تعمل على فضح الأكاذيب والدعاية التي تستمر وسائل الإعلام الغربية في نشرها". وفيما كان ذات مرة دور نشر ودور سينما في الهواء الطلق، وُضعت "نقاط الإعلام" حيث يتم تحميل الأدبيات وتوزيعها، وحيث يتم ملء أجهزة USB الصغيرة بصور المدينة الفاضلة، والزخم العسكري والعنف البصري، وحيث يتم عرض الفيديوهات أمام جمهور بالعشرات. ولأن نقاط الإعلام هذه تكون متنقلة في بعض الأحيان، فإنها تمكِّن "داعش" من توسيع نطاق عمله، حيث تتسلل رسالته عبرها إلى المناطق النائية التي لا تتوافر على بنية تحتية للإنترنت، وتحافظ على وجود ثابت للمعلومات في المراكز السكانية. والأكثر من ذلك هو أن تنفيذ مشروع "نقطة الإعلام" لا يُظهر أي علامات على التراجع: ففي محافظة نينوى، زعم مسؤول إعلامي من "داعش" قابلته جريدة "النبأ" أن هناك أكثر من 60 واحدة منها، وأضافت وكالة "أعماق" للأنباء أن هناك 25 نقطة إعلام في مدينة الموصل وحدها.
وتم استكمال كل هذا النشاط بتكريس "داعش" الرقابية التدريجية. ومع أن الوصول إلى الإنترنت ما يزال متاحاً في الناحية التقنية، فإنه يتوفر الآن في كثير من الأماكن تحت الأنظار الساهرة لأجهزة مخابرات "داعش" (حتى بالنسبة للمقاتلين الأجانب). كما أن الصحون اللاقطة، التي شُجبت مؤخراً باعتبارها "العدو في الداخل" نظراً لقدرتها المزعومة على "إفساد الدين وتمييعه"، خضعت لأمر بالمنع على امتداد رقعة "الخلافة". وتتغلب شبكة "البيان" الإذاعية دائمة التوسع على بقية محطات الراديو المنافسة في احتلال موجات الأثير. وباختصار، في المناطق التي تكون فيها سيطرة "داعش" السياسية والعسكرية مطلقة، يفعل التنظيم كل ما في وسعه من أجل خنق قنوات المعلومات الأخرى والاستئثار باحتكار للمعلومات.
هذا التطبيق لاستراتيجية الإعلام خارج مجال الإنترنت يبقى متجانساً بالكاد. وعلى سبيل المثال، لا يبدو أن هذه الاستراتيجية قد ترسخت في أي مكان خارج معاقل "الدولة الإسلامية" في سورية والعراق؛ وبدرجة أقل في ليبيا. ومع ذلك، أياً يكن واقع الحال، فإن الآثار المترتبة على هذه الاستراتيجية حيثما تم تطبيقها مقلقة للغاية. وبغض النظر عما إذا كان الناس يصدقون أو لا يصدقون الأساطير التي يجري ترويجها، فإن الطرق المستمر لآلة الإعلام يؤدي إلى رفع المعنويات بين المؤيدين وترسيخ اليأس بين المعارضين والمنشقين المحتملين. وتعيث نظريات المؤامرة في الأرض فساداً بينما يغرق فهم أهداف التحالف وتقدمه التكتيكي في سيل لا يتوقف من دعاية "الدولة الإسلامية".
هذه الاستراتيجيات الداعشية تجسد الاستبداد والشمولية قيد العمل بوضوح، وإنما ليس ببساطة. فبطرق مشابهة كثراً لتلك التي استخدمها دعائيو هتلر وستالين، يسعى فريق "داعش" الدعائي إلى إحكام السيطرة المطلقة على جمهوره عن طريق جعل رسالة التوسع والمدينة الفاضلة هي الثابت الوحيد. ومع إبقاء هذه الحقيقة في الذهن، ومع وجود بعض الأسباب للتفاؤل بالقضاء على إفساد البغدادي لـ"الخلافة الإسلامية"، فإن هذا التفاؤل ينبغي أن يظل مقيداً بحدود. إن هزيمة "داعش" عسكرياً لن تكون سوى مجرد قطعة واحدة فقط من أحجية أكبر وأكثر تعقيداً بكثير.

*باحث مشارك رفيع في جامعة ولاية جورجيا، في دائرة الاتصالات وجزء من مبادرة النزاعات والعنف العابرة للثقافات، حيث تركز أبحاثه استراتيجيات الوصول التي تستخدمها الحركات الجهادية العابرة للحدود، وتحولات التمرد.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:Totalitarianism 101: The Islamic State’s Offline Propaganda Strategy

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق