الإرهابيون المتنافسون في منطقة الساحل الأفريقي

تم نشره في الجمعة 8 نيسان / أبريل 2016. 12:00 صباحاً
  • قائد من مجموعة "بوكو حرام" الأفريقية الإرهابية يلقي بياناً في شريط فيديو -(أرشيفية)

فيليب هيوغون -
(ميدل إيست أونلاين) 30/3/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

صعَّدت حركة بوكو حرام (التي غيرت اسمها في العام 2015 إلى "الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا") من هجماتها القاتلة في نيجيريا وتشاد. وتحقق مجموعة الدولة الإسلامية "داعش" تقدماً في ليبيا وتشن هجمات على المناطق السياحية في شمال أفريقيا. وأعلن تنظيم "القاعدة في المغرب الإسلامي" الناشط أصلاً في مالي، مسؤوليته عن الهجوم على فندق سبلنديد في واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو، في كانون الثاني (يناير) الماضي. وتبعاً لذلك، من الممكن أن تقع منطقة الصحراء أسهل بيد "داعش" في الشمال وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في الشرق، مما قد تكون له تداعيات على التدخل العسكري الفرنسي بين هذه المناطق، والذي يعرف باسم "عملية باركهان".
انتشر العنف المسلح في منطقة الساحل الأفريقي بعد تحييد الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، واستمر بعد سقوط معمر القذافي وتدخل الغرب في ليبيا في العام 2011. وقادت هذه التطورات إلى تدفق المرتزقة، وخاصة من رجال قبائل الطوارق الذين كان القذافي قد جندهم، وإلى انتشار الأسلحة التي كانت مكدسة في ترسانات النظام الليبي. وضمت الصراعات في مالي في العام 2012 ميليشيات لها مطالب مختلفة: الحركة الوطنية لتحرير أزواد وحركة استقلال الطوارق، وهي ميليشيات مرتبطة مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي الذي يسعى إلى إقامة خلافة إسلامية؛ وحركة أنصار الدين بقيادة زعيم الطوارق أياد آغ الذي يريد فرض الشريعة الإسلامية؛ وحركة الوحدانية والجهاد في غرب أفريقيا التي تسعى إلى السيطرة على شبكات الجريمة المنظمة. لكن الشبكات الجهادية لم تعد الآن تريد السيطرة على تهريب الأسلحة والمخدرات وتحدي السلطات الحالية فقط. إنهم يريدون أيضاً إعادة ترسيم الحدود الموروثة من الاستعمار وقطع الروابط بين منطقة الساحل الأفريقي وأوروبا.
جاءت "عملية باركهان" خلفاً لـ"عملية سيرفال" التي تتمتع بتخويل من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة في العام 2012، والتي تم بموجبها نشر 3200 جندي فرنسي في موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، بدعم إفرقي ودعم من الأمم المتحدة أيضاً. وقامت هذه القوات بتدمير ترسانات الأسلحة وخفضت القدرات اللوجستية للمجموعات الجهادية، وحسنت سوية الاستخبارات. كما جعلت من الممكن إجراء انتقال مؤسساتي في مالي. لكنها لم تستطع أن تقطع دابر العنف. فالعمليات العسكرية في الخارج قد تتمكن بشكل مؤقت من احتواء الصراعات المسلحة وتضبط انتشار الميليشيات. وقد تنجم عنها ضربة ارتدادية عندما يتحول السكان المحليون إلى العدوانية أو يخلقون مجموعات إجرامية وسياسية ودينية. وتنتشر الميليشيات المسلحة بالفعل في عموم منطقة الساحل الأفريقي، وقد وقعت هجمات أخيرة أعلنت مجموعة "المرابطون" التي يتزعمها مختار بلمختار مسؤوليتها عن تنفيذها في باماكو في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، وفي واغادوغو في كانون الثاني (يناير) 2016. وهذه الميليشيات متحالفة مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.
في نيجيريا، تسلمت حركة بوكو حرام عصا المارشالية من حركة تالاكاوا (التي تعني الفقر) والتي قاتلت الحكام الاستبداديين الإقطاعيين. وكان الذي أسس حركة بوكو حرام هو أستاز محمد يوسف، الإمام الذي كان قد تعلم في العربية السعودية والذي توفي في العام 2009. وأخذت الحركة شكلاً في أعقاب القمع العنيف الذي مارسه الجيش. وفي العام 2015، أصبحت تحت قيادة أبو بكر شيخو ميليشيا إجرامية وإرهابية تابعة لمجموعة "الدولة الإسلامية"، وهي تحظى بدعم من حين لآخر من جانب شخصيات عليا في الجيش. وتقوم بتجنيد الأتباع من صفوف الطبقات الدنيا من المجتمع، الذين يكون بعضهم راغباً في زرع قنبلة في مقابل تلقيه 50 دولاراً. وتنشط بوكو حرام في ولاية بورنو في نيجيريا، وفي شرقي النيجر، وشمالي الكاميرون، وغربي تشاد. وذكر أن هذه الحركة قتلت نحو 17.000 شخص منذ العام 2009.
تتوسع الجهادية وتنتشر عبر شبكلة من المتنافسين والخصومات، التي كانت نتاجاً للميليشيات التي لا تخضع للمركزية (مثل الكتيبة)، والتي تتنافس من أجل السيطرة على التهريب وجلب المجندين الجدد. وتقوم الميليشيات التابعة للمنظمات الأم بصنع وفض التحالفات، ولها القدرة على استغلال الحدود المسامية والأنظمة الهشة والأجهزة الاستخبارية والأمنية الضعيفة. وربما لا تشكل جهاداً عالميا، لكن هناك حزم متنامية من الولاءات لمجموعة "داعش" (بوكو حرام وحركة الجهاد في غرب أفريقيا؛ وأنصار بيت المقدس في سيناء؛ ومجلس شورى الشباب الإسلاميين في ليبيا؛ وفصائل الشباب في الصومال)، أو أنها توالي تنظيم القاعدة (حركة الشباب في الصومال؛ وجبهة تحرير ماسينا في مالي؛ وأنصار الدين). وتعد حركة المرابطون، التي جاءت نتيجة اندماج بين حركة الجهاد في غرب أفريقيا وحركة "الموقعون بالدم" (التي شكلها بلمختار في العام 2012، وهي متحالفة مع القاعدة -حتى وإن تعهدت بعض فصائلها بالولاء لمجموعة "داعش". وتبدو هذه الولاءات مثل تقمص الماركات أو الحصول على الامتياز، لكن روابط التمويل واللوجستيات من التنظيمات الأم تعد واهية.
ما تزال منطقة الصحراء -الساحل الأفريقي تساعد كنقطة وصل لتمدد هذه الحركات بسبب ضعفها- سكان يتزايدون بسرعة؛ وعدم استقرار مناخي؛ وغياب في الفرص للطبقة الدنيا الحضرية والشباب في المناطق الريفية المهملة؛ وحجم الأسلحة والمخدرات المهربة في المناطق التي ينعدم فيها القانون؛ والاحتجاجات ضد السلطات الحاكمة والفساد المستشري على نطاق واسع؛ وغياب أو عجز قوات القانون والنظام؛ وفشل الجيوش وضعف الدول التي تعالج خطط التعديل البنيوي في مراحل مختلفة من تطويرها وهي غير قادرة على ممارسة وظائف سيادية.
في شمالي نيجيريا الذي فاتته أرباح النفط، كان الرئيس محمد بوهاري، الذي يتحدر من هذه المنطقة، أكثر نشاطاً من سلفه، غودلوك جوناثان. ومنذ العام 2015، ما يزال يعالج الفساد ويزيد من وتيرة التعاون الإقليمي. لكن التواطؤ بين الساسة أو بين الجيش والمجموعات الجهادية يظل قائماً، وكذلك يستمر العنف. وفي مالي، احتوت حكومة الرئيس أمادو توماني تورو (2002- 2012) المهربين والجهاديين جزئياً طالما قصروا تواجدهم على المناطق التي تقع إلى الشمال من البلد. وفي بوركينا فاسو، أسس رئيس الدولة السابق بليز كومباري (1987-2014) حلف عدم اعتداء ضمنياً مع بعض الحركات العنيفة، وكان سعيداً للعب دور الوسيط في مفاوضات حول إطلاق رهائن. وفي العام 2015، أفضى تفكيك كتيبة الحرس الرئاسي في بوركينا فاسو، دولة داخل الدولة بزعامة قائد انقلاب قصير الأجل، غيلبرت ديندير، وإعادة هيكلة الوكالات الاستخباراتية إلى جعل البلد أكثر هشاشة وعرضة لهجوم.
الإسلام الأفريقي، وهو دين قديم في المنطقة، سني في أغلبه، ويشتمل على المذاهب المالكية والصوفية بالإضافة إلى جماعة الإخوان المسلمين (غالباً توفيقية). وكان خاضعاً دائماً لنفوذ الإسلام ذي الخط المتشدد -من السودان أو من الشرق الأوسط- أو حتى إسلام التكفيريين الذين يرون في المسلمين المعتدلين كفاراً. ومع أفول السرد الكبير للقومية والاشتراكية والقومية العربية والقومية الأفريقية، يطفو على السطح نوع من الإسلام المتطرف المستند إلى التكفير، أو كما يصفه عالم السياسة أوليفير روي (أسلمة التطرف)؟
لا يتبع تجنيد الميليشيات خطوطاً عرقية أو دينية صارمة. فبوكو حرام، بالرغم من أن التي تهيمن عليها هي حركة كانوري العرقية، تضم أيضاً أناساً من الهوسا والفولاني -بل وحتى مسيحيين. وتلقى الحركات الجهادية القبول لدى الناس الشباب الذين يرغبون في الهرب من عالم فاسد أو القتال من أجل التطهر أو الإعراب عن رفضهم للإذلال الاجتماعي والسياسي.
ويتضمن تمويل الميليشيات السيطرة على الموارد، والتهريب، وفرض أتاوات على الناس المحليين، والابتزاز، واحتجاز الرهائن، والهبات، ورعاية الدول أو المجموعات الأخرى، والفساد من جانب الساسة أو الجيش، وهي عامل لانتشار العنف.
للصراعات المسلحة التي تعصف بمنطقة الساحل الأفريقي تاريخ طويل؛ حيث يعود بعضها إلى الحدود التي لم تكتسب الشرعية بالكامل بعد الاعتراف الدولي خلال زوال الاستعمار؛ وثمة عداوات أخرى تسبق الاستعمار. وتستحضر حركة بوكو حرام خلافة سوكوتو أو كانم -بورنو وإمبراطورية فولاني في ماسينا- الولايات الجهادية التي تعود للقرن التاسع، والتي اعتمدت ثروتها على تجارة الرق وكانت قد دمرت على يد المستعمرين الأوروبيين بناء على طلب الولايات الأخرى، بما فيها الهوسا.
وقد أسهمت الدول العربية الغنية في تكريس هذه الأوضاع المتوترة: تمويل المساجد ومدارس القرآن من جانب الصلات القطرية والتمويل السعودي؛ وكذلك الصلات بين المغرب وحركة تحرير أزواد في مالي؛ ودعم الرباط لمذهب المالكية؛ وروابط محتملة بين الأجهزة السرية الجزائرية وقيادة تنظيم القاعدة في المغرب؛ والصراع بين الجزائر والمغرب بسبب الصحراء الغربية؛ وفائض الحروب في العراق وليبيا وسورية.
وتعد البلدان الأفريقية أولى ضحايا العنف المسلح. فالإرهاب يساعد الأنظمة الاستبدادية ويحول الأموال إلى الأمن بدلاً من استثمارها في الانتاج. وهو يحرض دورة من العنف والفقر والتهميش عبر تدمير الفرص الاقتصادية وخلق المناطق المهملة. وتزرع الهجمات الكراهية وتنشر الخوف وتشجع العزلة. ويدمر الإرهابيون النسيج الاقتصادي ويخلقون مناطق لا يذهب إليها السياح. وتزيد الصراعات من عدد الناس المشردين واللاجئين والمهاجرين الذين يترتب عليهم الانضمام إلى المافيات. ويستطيع التوتر أن يتسع بسرعة. والبلدان اللذان يعدان أكثر عرضة للخطر هما ساحل العاج والسنغال؛ حيث ثمة صعود للسلفية على حساب الأخويات الإسلامية التقليدية، وحيث عدد (صعب على التقدير) من الشباب السنغالي الذين انضموا إلى "داعش" في سورية. وقد تم اتخاذ إجراءات استهدفت تقوية أمن الدولة والبنية التحتية السياحية في البلدين على حد سواء.
يغيب الاتحاد الأوروبي، المنقسم، غائباً بشكل كبير عن العمليات العسكرية وعمليات المساعدة في المناطق الهشة. لكن دعم المبادرات غير المركزية فقط من شأنه أن يوفر إمكانية لمعالجة الأسباب الجذرية للإرهاب. وتعد أفريقيا مهمة بشكل رئيسي بالنسبة لأوروبا، ليس بسبب أسواقها ومواردها فحسب، وإنما أيضا بسبب المخاطر الأمنية والبيئية والديموغرافية -في منطقة الساحل على الأقل. ويجب على المجتمع الدولي المساعدة في تمويل تأسيس قوات مسلحة أفريقية وطنية أو إقليمية، وتوفير المعدات والقدرات الاستخبارية التي يتطلبها هذا الأمر. وسيكلف تجهيز الجيوش المحلية عشر ما يكلفه نشر القوات الغربية، وهي أكثر ترجيحاً لضمان أمن طويل الأمد.
قد يزيد التمويل الخارجي من خلال تحويلات المهاجرين والاستثمار الخاص والأموال السيادية ومساعدة التنمية العامة، شريطة أن يتركز على "أفريقيا مفيدة" ومناطق آمنة. وتؤكد هذه الحقيقة خريطة التنمية الفرنسية ودعمها للزراعة. ويجب منح الأولوية للاستجابة لآمال الشباب في المناطق الريفية والحضرية، والذين سيتضاعف عددهم في الساحل الأفريقي مع حلول العام 2050. وعلى رأس القائمة لإعادة التأهيل، ثمة إعادة تأسيس الوظائف السيادية للدول وخلق اقتصادات يمكنها توليد وظائف.

*رئيس الأبحاث في المعهد الدولي للشؤون الدولية والاستراتيجية، وهو مؤلف "افهموا الأفارقة"، وغيره.
نشرت هذه القراءة تحت عنوان: The Sahel’s Competing Terrorists

التعليق