ورحل الشيخ أمين

تم نشره في السبت 9 نيسان / أبريل 2016. 11:03 مـساءً

هي السلط، ممر الصالحين وشرفة الوطن ونافذته على أغلى بقاع الأرض فلسطين، هي السلط التي أبت الا أن تكتب تاريخها بأول من علمنا أبجديات الحرف ومنها كانت شعلة (التعليم)، وهي السلط التي بنت مداميكها على اللحمة الوطنية فالتصقت بيوتها كما تلتصق حبات الفسيفساء، فكان سكانها مسلمين ومسيحيين  أقرب لبعضهم بعضا من شريان الوريد.
هو من هؤلاء الصالحين، وهو من الرواد الأوائل الذين حملوا شعلة التعليم، وهو من هؤلاء الذين كانت أوجاعهم ما أصاب جيرانهم ينشدون الخير لغيرهم وينسون منه أنفسهم.
مساء الخميس الماضي غيم الحزن على مدينة الأوائل برحيل حامل لواء الخير والعون فيها العالم والوجيه والمعلم الشيخ الجليل أمين الكيلاني.
نعم، أصبحنا نفقد تلك القامات الدينية القريبة للناس والمعتدلة في خطابها، التي لاتفزعنا بعذاب القبر وكيف سيتم سلخ جلودنا، بل قدموا صورة جميلة عن ديننا على أنه دين الرحمة والتوبة والتسامح. فإن كان وعد الحق في محكم تنزيله (قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا)، لذلك لم يخرج الشيخ الكيلاني يوما عن هذا الوعد، ولم يهددنا بسلخ جلودنا وجهنم وبئس (المصير)، بل ظل مؤمنا أن باب التوبة والتسامح مفتوح للجميع لذلك أحببناه بالله.
في وقتنا الحاضر هناك فئة تعتقد أن الطريق إلى الجنة يجب أن تأتي عن طريق بروكسل أو واشنطن أو أمستردام بعد أن نذيقهم شر العذاب بتفجير شوارعهم ومطاراتهم وأماكن سكناهم، ولمن يريد الجنة فمن السلط ومن أربد ومن مكة المكرمة والمدينة المنورة والقاهرة والرباط  ومن كل بقاع الارض، أيضا يستطيع  العابدون المتقون الذهاب الى الجنة-إن شاء الكريم- بإقامة فروض عباداتهم والالتزام بتعاليم الدين. شيخنا هو من هؤلاء الذين ناضلوا في الدنيا بالوقوف مع الناس بنصحهم وإرشادهم وتلبية حاجاتهم بحثاعن أجر الآخرة، لم يتشدد بل ظل قريبا من الناس يشاركهم أفراحهم وأتراحهم وقدم مثالا نادرا عن أهمية وجود رجل الدين في حياتنا الاجتماعية لإصلاح ذات البين وتقديم الموعظة الحسنة وإرشادنا إلى الطريق الصواب كونهم محل ثقة العامة. لا العزلة عن الناس وتركهم إلى المجهول بعد إصدار الأحكام المسبقة عليهم هذا منافق وهذا مرتد وهذا لايقيم حدود الله.
هو من النماذج المعتدلة التي كانت تعبّر فيها (اللحية) عن الطهارة والتسامح والعفة، قبل أن تختطف (اللحية) لتعبر مؤخرا عن وجود (قنبلة). وحين سأل الحبيب (صلى الله عليه وسلم) من أذاقوه شر العذاب والطغيان والتهجير ما أنا فاعل بكم، قالوا له: أخ كريم وابن أخ كريم. فقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. اليوم كم نحن بحاجة إلى مشايخ أجلاء يعيدون تذكيرنا بهذه الصور النبيلة والعظيمة من تاريخنا الإسلامي حتى ترسو قيم التسامح والعفو في مجتماعتنا، فاليوم لايسامح الأخ أخاه بزيتونة تتوسط حدود الارض بينهما، ولا يسامح الجار جاره إن وقف بسيارته أمام منزله، ولا يسامح الصديق صديقه إن غفل عن مجاملته في مناسبة، وندرة هم من يقولون لنا اليوم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
نتألم لفراق الشيخ لأنه كان صورة مشرقة من صور الإنسانية والخير في ديننا التي يسعى البعض لتشويهها، فالحق يقول: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) ونحسبه من هؤلاء.

التعليق