عيسى الشعيبي

ليته زمن الوصاية الدولية

تم نشره في الخميس 21 نيسان / أبريل 2016. 11:05 مـساءً

أدرك أن هناك تطيّراً شديداً لدى النخب في بلادنا إزاء كل ما يعيد للأذهان ذكريات مرحلة الاستعمار الأوروبي المريرة. وأعلم مدى الحساسية المفرطة حيال كل أشكال الهيمنة والتدخلات الخارجية في شؤون شعوب هذه المنطقة، التي ما تزال تعاني من مخلفات زمن تلك الحقبة الاستعمارية الموؤودة.
لكن اليوم، تبدو زوابع تلك العقود الزمنية هيّنة ليّنة، كالنسيم العليل، بالقياس إلى العواصف العاتية التي هبت على عدد من البلدان العربية في السنوات الماضية، جراء انفجار سلسلة من الحروب الداخلية، وعجز الأطراف المتحاربة عن إيجاد حلول توقف سفك الدماء بقواها الذاتية. وهي حقيقة لا يمكن تبرئة النفس منها، وإحالتها تلقائيا على عاتق المؤامرة الكونية.
بكلام جارح، فإن ما نصنعه بأيدينا في هذه الآونة، فاق بألف مرة ما صنعه الاستعمار بنا، الأمر دفع بعض الملتاعين في الأقطار الغارقة في دماء شعوبها، إلى دعوة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته عنا، وإنقاذنا من شر أنفسنا، بل وفرض السلام علينا بالقوة. ولا داعي لعقد المقارنات المخجلة، بين ما نتعرض له من ترويع وإرهاب، وبين ما كابده الآباء، بالأمس، من تجبر واستعلاء.
صحيح أن المستعمرين حكموا بلادنا، وتجبروا بشعوبها، وعلقوا المشانق لأبطالها، إلا أنهم كانوا أرحم بنا من أنفسنا، كونهم لم يقصفونا بالبراميل المتفجرة، ولم يقتلوا الناس بالجملة، ولم يذبحوا على الهوية، ويشردوا الملايين ويدمروا البلاد، كما يفعل الدكتاتوريون والإرهابيون والمليشيات الطائفية في هذه المرحلة.
أمام حالة الاستعصاء السائدة، وتوالي الانهيارات المدوية، واحتدام دوامة الموت الجهنمية، راح الناطقون من على ضفاف أنهار هذه الأزمات المستفحلة، ويا للمفارقة، يلومون الاستعمار والقوى الإمبريالية، ليس إزاء تدخلها المكروه بالضرورة الموضوعية، وإنما لعدم تدخلها، وإملاء منطقها بقوة الجبر والإكراه، على المنهمكين جدا في إنتاج هذه الكوارث المرعبة.
فهل تستبطن دعوات المجتمع الدولي للتدخل بشؤون بلدان مستقلة وذات سيادة، حنينا مبهما لأيام الاستعمار، بما في ذلك نظام الوصاية الدولية، الذي أحدثته الأمم المتحدة العام 1945، للإشراف على بعض الأقاليم الموعودة بالاستقلال، وتأهيلها للحكم الذاتي، وممارسة حق تقرير المصير فيما بعد، وهو نظام شكّل امتداداً لنظام الانتداب المطبق في عهد عصبة الأمم، السابقة على قيام المنظمة الأممية الراهنة؟
بالطبع، فإن أحداً لديه أدنى حس من الوطنية، لا يمكنه المطالبة بفرض نظام الوصاية الدولية، لما ينطوي عليه هذا النظام من شبهة استعمارية مرفوضة من حيث المبدأ، ناهيك عن حقيقة أن مجلس الأمن الدولي كان قد أنهى نظام الوصاية هذا العام 1994، لتحل محله مفاهيم تدخل خارجي بديلة، مثل قوات الطوارئ الدولية، أو حفظ السلام، أو الرقابة على الهدنة، ناهيك عما صار يعرف باسم المجتمع الدولي.
غير أن المواطنين العاديين، ممن تدور الحروب على ظهورهم، في أكثر من بلد عربي واحد، ولا يبصرون بصيص نور في نهايات الأنفاق التي حُشروا في دواخلها، لم يعودوا مهتمين كثيراً بمفاهيم السيادة غير المنقوصة، والاستقلال التام؛ إذ باتوا الآن أكثر تقبلاً لفكرة التنازل عن تلك الاعتبارات والشعارات التي كونت وجدانهم العام، إذا كان في ذلك خلاص نهائي لهم من ويلات ما أوقعتهم فيه الصراعات الدامية على السلطة.
وأحسب أنه لو جرى استطلاع للرأي في بلد مثل سورية، أو غيره من البلدان الفاشلة، حول أفضليات المواطنين للخروج مما هم فيه من محنة تبدو بلا نهاية، لأجابت الأكثرية الكاثرة منهم بالموافقة على خيار التدخل الخارجي بالقوة المسلحة، وطالبت ببعث نظام الوصاية الدولية من رقاده، باعتباره أكثر أشكال التدخل الدولي مشروعية، وأحد أدوات الأمم المتحدة المقننة، التي يحدد ميثاقها طبيعة عمل هذا النظام، ويحكم ضوابطه بقدر كبير من الشفافية.
إزاء ذلك كله، فليس من المبالغة القول إن لسان حال معظم السوريين، على وجه الخصوص، يقول: ليت نظام الوصاية الدولية ما يزال معمولا به حتى اليوم، لكان في وسعنا المطالبة بإنفاذه من دون حرج، ولدعونا المنظمة الأممية إلى تطبيقه على الفور، ولربما جنبنا ذلك استخدام حق النقض (الفيتو) من جانب دولة دائمة العضوية، تسببت في إطالة أمد هذه الحرب، وما تزال تكتيكاتها الوحشية تطيلها أكثر فأكثر.

التعليق