نتنياهو بين ترامب وكلينتون

تم نشره في السبت 7 أيار / مايو 2016. 12:00 صباحاً
  • هيلاري كلينتون خلال حملتها للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية. - (ا ف ب)

هآرتس

ناحوم برنياع

لا حاجة إلى أن تكون عالما نفسيا. وبيقين لا حاجة إلى أن تكون عالما نفسيا للأولاد كي تتوقع ما يشعر به نتنياهو فيما يتعلق بالمنافسة الانتخابية في الولايات المتحدة. عميقا في قلبه يريد نتنياهو أن يكون دونالد ترامب. بالفانتازيا كان يريد أن يكون ترامب، ولكن كرئيس لحكومة اسرائيل يجب عليه أن يفضل أن تكون هيلاري كلينتون في البيت الأبيض. كلينتون متوقعة: نتنياهو يعرفها. نتنياهو متوقع: كلينتون تعرفه. اللعبة بينهما مثلها مثل لعبة تنس بين فانوس وسيرينا وليامز: يوجد توتر، ولا توجد مفاجآت.
ترامب غير متوقع، وهذا جزء من التفسير لانجذاب الكثير من الاميركيين نحوه. ولماذا الكثير من الأميركيين تقشعر أبدانهم بسبب امكانية أن يسيطر هذا الشخص على الدولة. ترامب يلعب حسب شروط مختلفة.
"إنهما متشابهان جدا"، قال لي أحد الاميركيين وهو مختص بسيرة الاثنين المهنية. وقلت له إنني لست متأكدا أنه على حق، لكن المقارنة ملفتة. المسألة الاولى التي خطرت ببالي هامشية، لكنها بارزة في الميدان: الشعر. الاثنان يهتمان جدا بنقص الشعر في رأسهما. أحدهما يواجه هذه المشكلة بمساعدة باروكة شقراء على رأسه مثل قبة ذهبية تُعطى للزوار في احتفالات الطهور. والثاني يقوم بصبغ شعره. وفي حال استضاف ترامب نتنياهو في الغرفة البيضوية سيكون لهما موضوع جيد لحوار قصير.
اللقاء الاول سيكون رائعا. فهما سيتبادلان الحديث على أساس أنهما اصدقاء من نفس القرية. أميركا نتنياهو هي نفس اميركا التي تقضي عطلتها في فنادق ترامب، هي اميركا نفسها التي تعقد معه الصفقات. وعندما يصلان الى المواضيع المطروحة على جدول الاعمال فان نتنياهو سيتحدث عن ايران وسيوافق ترامب على اقواله ويضيف هنا وهناك، نتنياهو سيتحدث عن الارهاب وترامب سيوافق ويضيف "أنا أريد بدء المفاوضات بينكم وبين الفلسطينيين"، سيقول ترامب، "أنا عبقري في المفاوضات"، "ممتاز"، سيقول نتنياهو، "أنا مع. أنا ايضا ممتاز في المفاوضات".
المشكلة ستظهر في اللقاء الثاني عندما يتبين أنه يوجد نقاش ولا توجد مفاوضات، وكل شيء مجرد اقوال. سيتذكر نتنياهو أن اللقاء الاول بينه وبين اوباما ايضا كان ممتازا: الكيمياء تدفقت مثل المياه.
ترامب يبلغ 69 سنة وهو أكبر من كلينتون بسنة وأكبر من نتنياهو بسنتين. سيرته المهنية مثل سيرة نتنياهو السياسية، عرفت الصعود والهبوط الصعب. رغم أن ترامب ورث امواله الاساسية من والده، إلا انه يمكنه القول وبصدق إن ما يوجد لديه حققه بيديه. نتنياهو يمكنه قول شيء مشابه عن نفسه رغم أن ماله السياسي الاساسي حققه على سيرة أخيه.
يصعب ايجاد مواقف لترامب. على مدى السنين تبرع بالاموال وقدم خدمات وانشأ علاقات مع السياسيين من اليمين ومن اليسار، من الليبراليين والمحافظين، من الجمهوريين والديمقراطيين وهيلاري كلينتون كانت من بينهم. في الامور الداخلية الحساسة قدم مواقف مختلفة ومتناقضة وبناء على ما يخدم مصالحه في ذلك الوقت. وسائل الاعلام الاميركية تبذل الجهود في الاشهر الاخيرة في محاولة للوصول الى مواقف ترامب، لكن النتائج محدودة.
يبدو في هذه الحالة أن الشيء الاساسي هو طابع ترامب. أحاديثه اثناء الحملة الانتخابية أوجدت معايير جديدة في فن الإهانة السياسية. فقد أهان ترامب بكلمات شديدة جميع الأوساط التي يحتاجها الجمهوريون في تشرين الثاني: المكسيك واللاتين والنساء والسود. وفي السياق أهان المؤسسة الحزبية التي يفترض أن تتجند من اجله وكذلك عددا من الدول الأجنبية الحليفة. الالقاء التي وصف بها خصومه كانت أعلى قليلا من الاعشاب. فقد قال عن ماركو روبيو "الصغير" بسبب حجم جسمه. وقال عن جيف بوش "طاقة منخفضة" وقال عن تيد كروز "الكذاب" وعن هيلاري كلينتون "المخادعة، المستنزفة، التي تمت خيانتها، والتي لا تملك الكفاءات".
إن ترامب قد أدار ظهره للباقة السياسية وللحقيقة. نتنياهو لم ينزل الى هذه الاماكن. هو يستطيع اهانة الاشخاص ولا سيما من يعملون من اجله، لكن الكلمات البذيئة ليست جزءًا من أدوات صندوقه السياسي.
ترامب شتم وأهان، وخلافا لجميع التقديرات فقد نجح. يتبين أنه كان يعرف عن المصوتين الجمهوريين أكثر مما يعرف المستشارون الاستراتيجيون والباحثون والمحللون. هذه هي النقطة الاساسية الاولى التي تربط بين ترامب ونتنياهو: القدرة على فهم الضائقة والمخاوف والكراهية في اوساط الناخبين وتوفير الاعداء حتى يخرجوا ضدهم، وهم شخصية يحيط الناس بها. ترامب وصل الى ذلك بشعوره الغريزي ونتنياهو وصل الى ذلك عن طريق التحليل العميق لاستطلاعات الرأي.
الضائقة ليست ضائقتهما: بل هي حياة الآخرين. ورغم ذلك فقد تميزا بالعزف عليها واستخدامها بشكل مخادع.
إن ترامب هو شخص مغامر،  قال لي في هذا الاسبوع أحد مستشاريه السابقين. فقد وجد نفسه اربع مرات على شفا الافلاس. نتنياهو يخشى دائما، لكنهما يفهمان، كل بطريقته، أن جمهورهما بحاجة الى حقن تحفيز. لقد وعدهم ترامب باقامة جدار من المحيط الى المحيط والغاء العولمة بشكل فعلي وقصف ايران حتى النهاية وتعذيب الاسرى واغلاق ابواب اميركا امام المسلمين وزيادة ميزانية الامن وتقليصها. أما نتنياهو فقد هددهم بالقنبلة الايرانية والسيطرة المعادية على فلسطينيي 48. وسؤال ماذا سيفعلان بهذه التصريحات بعد الانتخابات، لم يقلقهما. الجمهور لن يطالبهما بتسديد الدين. وهما سيكونان مشغولين بحفلات الانتصار.
ونقطة الشبه الثانية بينهما هي المسافة بين الاقوال والافعال. فلم يسبق أن كان ترامب في أي وظيفة عامة ولم يتم اختباره في اتخاذ القرارات على المستوى القومي أو الدولي. ولكن ما فعله حتى الآن يظهر أن الاقوال بالنسبة له شيء والافعال شيء آخر. الاقوال الحماسية، والافعال مدروسة. مثل نتنياهو لا يسرع نحو الخيط الرفيع.
نصف عزاء
إن أغلبية المثقفين الليبراليين الساحقة تحتقر ترامب. هناك من قام بتمزيق أو احراق الورقة الانتخابية بعد فوزه في انديانا في هذا الاسبوع. وهم سيركزون على مرشحين محليين أو يبقون في بيوتهم أو يصوتون لكلينتون التي يكرهونها.
عدد قليل سيؤيده، ومنهم مستشار معروف التقيت معه قبل بضعة ايام. تأييده لترامب ولد بسبب الاشتياق لرونالد ريغان الذي كان رئيسا من 1981 – 1989. ترامب مثل ريغان لن يهتم بالتفاصيل. سيضع السياسة وسيذهب للعب الغولف. والقرارات التي سيتخذها لن تكون خاضعة للمفاوضات. هذه الطريقة في القيادة تسمى: إما طريقتي وإما الذهاب الى البيت.
ما الذي سيفعله ترامب عندما يبدأ نتنياهو في جداله؟ سألت. سيبتعد عنه.
لن يحب نتنياهو سياسة الولايات المتحدة الخارجية التي تركز على المصلحة الاميركية الفورية وتدير ظهرها لكل العالم. لم يحب ذلك لدى اوباما ولن يحب ذلك لدى ترامب. سيفضل سياسة كلينتون التي هي على يمين ترامب واوباما.
هذا صحيح، قال لي المؤيد لترامب. ولكن لدي من اجلك نصف عزاء: خلال ولايته لا يجب أن تقلقوا من قرارات جهات دولية. سيستخدم ترامب الفيتو ضد جميع قرارات مجلس الامن. وسيسبب له هذا سعادة كبيرة بدون صلة باسرائيل. ايضا الاخلال بحقوق الانسان الذي أقلق ادارة اوباما لن يقلقه. قال ترامب هذا الاسبوع في مقابلة مع "ديلي ميل" البريطانية إنه يؤيد البناء في المستوطنات. من جهة لم يتحدث احد من المرشحين الاميركيين بهذا الشكل على مدى خمسين سنة. ومن جهة ثانية ليست لديه فكرة عما يتحدث.
الاكثر حكمة
بعد انتصار ترامب الحاسم في انديانا هذا الاسبوع ارسل رسالة مصالحة لرئيس الحزب الجمهوري راينس فريبوس: "في البداية كانت لك 17 "أنا" لعلاجها، والآن لك واحدة". "الأنا" هي النقطة الثالثة التي تربط بين نتنياهو وترامب. إنهما الاكثر حكمة والاكثر كفاءة والاكثر نجاحا، هما وأبنائهما. العالم يدور من حولهما. واذا تم انتخاب ترامب للرئاسة فسيتداخل سلوكه النرجسي مع توقعات الجمهور.
الاميركيون ينتخبون كل اربع سنوات عائلة مالكة. عائلة ترامب وبما في ذلك الابنة افانكا التي تهودت، انها تلائم الموضة. وضع نتنياهو اكثر تعقيدا: الرئيسان اللذان عملا معه، كلينتون واوباما، وقبلهما بوش الأب، اعتبروه وقحا. حيث يأتي زعيم دولة صغيرة ويتجرأ على تعليم الرئيس الاميركي ما هو جيد من اجله ويستخدم الكونغرس ضده ويحرض الرأي العام عليه.
الخطأ الاكبر كان الخطاب في الكونغرس ضد الاتفاق مع ايران. كل مؤيد لاسرائيل في واشنطن، بما في ذلك رؤساء اللوبي اليهودي، يفهم هذا اليوم. الخطاب الذي تم التحضير له من وراء ظهر اوباما ومن وراء ظهر اللوبي، لم يمنع الاتفاق مع ايران، لكنه أضر بدعم الحزبين لاسرائيل. والثمن تدفعه اسرائيل الآن في المعركة اللانهائية حول المساعدات الامنية للسنوات العشرة القادمة. ليقل المختصون ما يقولون حول تفاصيل الاتفاق، إلا أن هناك شيئان واضحان. الاول، عشية الاتفاق مع ايران كان اوباما على استعداد لاعطاء أكثر، لكن نتنياهو راهن على تفجير الاتفاق في الكونغرس، ورفض. الثاني، اذا انتظر ترامب أو كلينتون فسيحصل على ما هو أقل.
حذاء غولدا
"إنها تريد أن تكون غولدا مئير"، قال نائب الرئيس جو بايدن عن هيلاري كلينتون. ولم يقصد الثناء. مثلما أن النساء الاسرائيليات لم يعتبرن انتخاب غولدا انجازا في الصراع من اجل المساواة، فان النساء الاميركيات ايضا لا يعتبرن انتخاب هيلاري كلينتون انجازا في صراعهن – لا سيما النساء الشابات. يبدو أن السقف الزجاجي للبيت الابيض لا يعنيهن، يبدو أنهن أدركن أن انتخاب رئيس اسود لم يساعد في الصراع من اجل المساواة. بل العكس، أعاد العنصرية من جديد.
ويمكن أنهن مللن من كلينتون. فمنذ 25 سنة هيلاري وبيل يوجدان في الساحة القومية. وقد لحقت بهما في هذه السنوات الكثير من القضايا، أخذ اموال من جهات مكروهة، اشتباه بالفساد، اشتباه بالمخالفات الامنية، الاسراف. حينما ترشحت كلينتون أمام اوباما قبل ثماني سنوات كانت تعتبر شخصية قابلة للانطلاق. الامر لم يعد كذلك.
الخسارة في انديانا هذا الاسبوع لن تمنعها من الترشح. ولكن ستكون نازفة امام ترامب. كتب جابوتنسكي ذات مرة سطرا انتقاميا ضد مباي: "سندفع لك مرة اخرى يا قابيل بأرواح شبابك". بارني ساندرس هو يهودي سيطر على أرواح الشباب والشابات. وسيصوتون له بتلهف وتأييد حتى موعد المؤتمر في فيلادلفيا. اذا صوتوا لكلينتون في الانتخابات العامة فسيكون ذلك فقط لأنهم يحتقرون ترامب أكثر.
اذا تم انتخاب كلينتون للرئاسة فستسعى الى فتح صفحة جديدة مع نتنياهو. هذا ما يفعله السياسيون المهنيون: فتح صفحات. وسيتعاون نتنياهو. بعد ذلك سيبدأ سوء الفهم. ستسعى كلينتون الى الابتعاد عن سرير المرض الذي يقدمه الصراع لها. لقد كانت هناك في السابق وهربت. كتاب ممتاز صدر مؤخرا حول علاقة كلينتون واوباما للمؤلف مارك لاندلر، مراسل "نيويورك تايمز" في البيت الابيض. وقد وصف المحادثات بين كلينتون ونتنياهو كتجربة بائسة. علقت كلينتون في مثلث برمودا بين ضغط البيت الابيض وألاعيب نتنياهو ومطامحها السياسية. في أحد النقاشات الماراثونية حول تجميد البناء في المستوطنات شعرت بالضغط الى درجة جعلتها تضرب جبينها بالهاتف.
الرئيسة كلينتون ستحافظ على جبينها من اجل فرص اخرى.
المشكلة الاساسية هي أن اسابيع الانتخابات الحالية ليست مهمة في الحسابات السياسية، ولا توجد أهمية للتقاليد – على الاقل في الحزب الجمهوري. الليونة هي خطأ، والادب هو تلون، والارتباط مع المؤسسة هو جريمة. لقد تنافس 16 مرشحا: ومن كانوا متقدمين هُزموا وبقي ثلاثة. كيسك اعترف في هذا الاسبوع بشكل علني أنه تردد بينه وبين نفسه في كل صباح حول ضرورة اغلاق البسطة. وقرر في الوقت الحالي الاستمرار على أمل أن تحدث معجزة.
الحملة الانتخابية لكيسك انتهت هذا الاسبوع بعد أن أصبح في المرتبة الثالثة في انديانا. في البدء أعلن أنه سيستمر، وبعد بضع ساعات فهم أن الهواء قد نفد وكذلك المال. قرار الانسحاب غرق في الأخبار حول انتصار ترامب.

التعليق