عيسى الشعيبي

أوباما بنسخة بريطانية معدّلة

تم نشره في الثلاثاء 10 أيار / مايو 2016. 12:05 صباحاً

لعل أكثر التعبيرات بلاغة، وأشدها إيجازاً، بشأن ما أسفرت عنه انتخابات رئاسة بلدية لندن من نتيجة كانت محض خيال جامح حتى الأمس القريب، هو ما جاء على لسان عمدتها الجديد صادق خان، فور الإعلان عن فوزه برئاسة عاصمة البلد الذي كانت الشمس لا تغرب عن ممتلكاته الإمبراطورية ذات يوم غير بعيد، وذلك حين قال ابن المهاجر الباكستاني، بنبرة فيها من التواضع بقدر ما فيها من الثقة بالنفس: إن المستحيل أصبح ممكناً، وإن الأمل تغلب على الخوف.
ولا شك في أن هذا الحدث أكبر من كونه مجرد واقعة انتخابية محلية، جرت في أكبر مدينة أوروبية، يقتصر الاهتمام به عادة على المخاطبين به مباشرة، وهو أمر تجلى في تلك المعركة الحامية بين الحزبين البريطانيين المتنافسين، وفيما رافقها من حملة تحريضية انطوت على مظاهر عنصرية، وتخويف وتحشيد ضد التطرف الإسلامي والمهاجرين الملونين، فضلاّ عما واكبها من قراءات معمّقة، وأعقبها من تعقيبات تردد صداها في بلاد بعضها لا يهتم بشيء اسمه انتخابات.
ومع الفارق في درجة الأهمية، وتفاوت المكانة على سلّم المناصب القيادية، فإن فوز خان، ابن سائق الباص الباكستاني، بعمودية لندن، لا يقل دلالة رمزية عن فوز المرشح الأميركي الأسود برئاسة الولايات المتحدة قبل أقل من ثماني سنوات، كون هذين الفوزين الاستثنائيين ينطويان على سابقتين غير مسبوقتين في الحياة السياسية الغربية، التي يبدو أنها قد تعافت من النظرة الاستعلائية المستمدة من إرث استعماري مثقل بمشاعر التفوق العرقي.
وأحسب أن أهمية هذا الاختراق بفوز خان، وقبله باراك أوباما، نابعة من أهمية البلدين الغربيين، اللذين يقودان عربة التغيير في الرؤى والمثل والمفاهيم، ويمسكان بزمام المبادرة والتأثير على المستوى العالمي، ناهيك عن وزنهما الراجح في معادلة القوة، وديناميكيات التطور الحضاري على كل صعيد، بما في ذلك الثقافة والفنون والعلوم، ومنظومات الإدارة وأنظمة الحكم، الأمر الذي يضفي على مثل هذا الحدث أهمية مضاعفة، ويدخله في باب السوابق التاريخية حقاً.
إذ رغم كثافة المشاركة، وازدحام المصوتين أمام صناديق الاقتراع، فإن فوز خان الكاسح لم يأت بفضل أصوات المهاجرين وأبناء الأقليات فقط، وإنما بفضل تصويت أغلبية اللندنيين بمختلف مشاربهم ومنابتهم، بمن في ذلك الأنغلوسكسون، الذين منحوا أصواتهم وفق معايير الكفاءة وحسن الأداء والسيرة الذاتية، وليس على أساس التمييز في اللون أو العرق أو الدين، وسط حملة دعائية يمينية ضارية، تم فيها استخدام كل الأسلحة الوضيعة.
وقد يكون هذا المعطى الملموس أحد أثمن ما افرزته معركة لندن البلدية، سواء بما انطوت عليه من قيمة تمثيلية متجاوزة للاعتبارات الحاكمة في الحياة السياسية البريطانية الحديثة، أو بما كسرته من نمط اجتماعي ثقافي مركّب، كان سائدا إزاء اللاجئين والمهاجرين وأبناء المستعمرات السابقة، إذ تؤكد هذه الانتخابات، بدلالة نتائجها فوق الاعتيادية، حقيقة أن العالم الأول (أوروبا واميركا) شرع في طرح النموذج المقدر له أن يلهم الآخرين تدريجياً.
إذ بعد أن سجّل الأميركيون سابقتهم الكبرى، عندما انتخبوا باراك حسين أوباما رئيسا للدولة العظمى الوحيدة، وهو ابن مهاجر أفريقي مسلم، من دون أن يحفلوا كثيراً بمسألة اللون والعرق، ها هم البريطانيون يطرحون نموذجاً مماثلاّ، أو قل أوباما البريطاني، إعمالاً لتلك الرؤية الليبرالية القائمة على أفكار حداثية عابرة للتصنيفات الكلاسيكية المتهالكة، وجوهرها المواطنة المتساوية واستحقاق الجدارة.
ولا ريب في أن العبرة الأساسية المستفادة من هذه السابقة التاريخية، بالنسبة لنا نحن في العالم العربي، الذي يستورد كل ما ينتجه الغرب من سلع وتقنيات وأسلحة، ويستهلك سائر مخرجاته الحضارية، باستثناء قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ناهيك عن الحكم الرشيد وتداول السلطة، نقول إن العبرة الأساسية هي ضرورة رد الاعتبار لقيم المواطنة والكفاءة وشرعية الإنجاز، والتخلص من العصبيات الضيقة، والهواجس المرضية والحسابات الصغيرة.
وبجملة أخيرة، أعتقد أن زميلنا المبدع في "الغد" ناصر الجعفري، قد اختصر القول كله، برسمه الكاريكاتوري المنشور يوم الأحد الماضي، حين تساءل على لسان أحد شخوصه، السؤال الذي راود كل واحد منا: ماذا كان مصير الابن، لو هاجر والد صادق خان إلى دولة عربية؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"النسخة" (يوسف صافي)

    الثلاثاء 10 أيار / مايو 2016.
    اذا سلمنا جدلا ان النسخة الديمقراطية متشابهة بين اوباما وصادق خان معنى ذلك الآلة متشابهة؟؟ واذا كان اوباما ومن سبقه لم يصل سدّة الرئاسة الإ عن طريق ماكينة ومال "اللوبي الصهيوني"معنى ذلك ان دفينهم واوكارهم بدأت بالنسخ في أماكن تغلغلهم تحت ستار التضليل خدمة ل اهدافهم ومصالحهم وديمقراطيتهم ذات الألوان والأطياف "مشفّى وبعظمه " وفق للمناطق؟؟ أو ليس صادراتهم المسمومة تحت غطاء ديمقراطيتهم للمنطقة من وضعتها على صفيح رملي ساخن ؟؟وما زاد الطين بلّة حرب مصالحهم القذرة التي تحرقها؟؟؟؟؟ وامّا السؤال فيما لو تم هجرة ابو خان لدولة عربية فكيف له ونار الحرب التي اشعلوها تهجّر اهلها؟؟كفانا جلدا للذات حتى لا نكن شركاء تبعيين لمن ارادوا لهذه الأمة ان تفقد ما تبقى من روافعها حتى يسهل تفتيتها ورسم خارطتهم الجديدة بعد ان انتهت صلاحية سايكس بيكو نظرا للتقدم التقني وادوات التواصل التي افقدت الحدود وجواز السفر اهدافه بين المكون العربي؟؟