عيسى الشعيبي

الجماهير ليست دائما محقة

تم نشره في الجمعة 13 أيار / مايو 2016. 12:03 صباحاً

على مدى عقود طويلة ماضية، لم تكن صحة المأثور الصادر عن ثقافة ثورية أصيلة، محل شك لدى الكافة، ولم تجر مناقشة صدقية شعار "الجماهير دائماً على حق" من جانب المنظّرين أو علماء الاجتماع أو المثقفين، لاسيما أن التجارب والاختبارات، فضلاً عن التحولات التي مرت بها شعوب عديدة، كانت تعزز صواب هذا القول الساحر، المستلهم من رؤية ماركسية سديدة، تفهم حركة التاريخ جيداً، وتراهن على قوة التغيير الكامنة في أعطاف الطبقات الاجتماعية العريضة.
    غير أن المتغيرات التي فاضت بها ثورات معرفية واجتماعية لاحقة على الثورة الصناعية، مثل ثورة التكنولوجيا، وبعد ذلك ثورة الاتصالات الأولى والثانية، غيّرت المفاهيم القديمة، وكسرت الكثير من المسلّمات المستقرة، بما في ذلك فرضية أن الجماهير محقة على الدوام، لا يأتيها الباطل أبداً، خصوصاً في أعقاب تجلي أكثر من حالة واحدة، بدا فيها الحراك الجماهيري أبعد ما يكون عن الطريق الصحيحة، إن لم نقل إنه كان في بعض الأحيان على الجانب الخطأ من التاريخ.
    ومع أن هناك الكثير من الأمثلة التي يمكن التدليل بها على خطل هذا الاستنتاج الرائج بقوة، ونعني به شعار "الجماهير دائماً على حق"، إلا أنه يمكن الوقوف ملياً عند مثالين كبيرين، يشرحان نفسيهما من دون جهد عقلي. أولهما، مشهد صاخب جار عرضه الآن تحت الأضواء الكاشفة، على خشبة مسرح سياسي هو الأكبر في العالم. وثانيهما، مشهد أقصر، جرى عرضه قبل عدة أسابيع، على خشبة مسرح أصغر، بلا أضواء غامرة، ومن غير إثارة وتشويق.
    من المفيد ان نبدأ بالمثال الثاني، كونه الأسبق زمنياً. إذ بثت شاشات التلفزيون، منذ نحو شهرين، مشهداً احتشد فيه مئات آلاف اليمنيين المؤيدين للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، يرفعون صوره، ويهتفون بحياته. الأمر الذي استوجب التساؤل حقاً، عما يحمل تلك الجماهير الغفيرة على التظاهر لصالح الرجل الذي جاء بانقلاب عسكري، وخرج من الحكم بثورة شعبية نظيفة، ووصم من الأمم المتحدة بسرقة نحو سبعين مليار دولار من أقوات شعب هو الأفقر في العالم.
    كان من الممكن التشكيك بجدية ذلك المشهد الجماهيري اليمني المثير، لو أن صالح ما يزال في السلطة، يخرج الطلبة من مدارسهم، والموظفين من مكاتبهم، ويلعب بالصورة التلفزيونية كما يشاء. وكان من الممكن أيضاً فهم ذلك المشهد، لو أن تلك الآلاف المؤلفة خرجت لتأييد جماعة الحوثي، التي لديها خطاب غيبي، ورمزية ما، تستهوي قاعدة شعبية معينة، أما عندما يتعلق الأمر بالرئيس المخلوع، المفتقر إلى أي ميزة معنوية، أو خصلة أخلاقية، فإن السؤال المفعم بالدهشة يكبر كثيراً.
أما المثال الثاني، الذي ما تزال فصوله المسرحية مستمرة، ومن المقدر لها أن تتواصل حتى أواخر العام الحالي، فهو هذه الظاهرة المسماة دونالد ترامب، المرشح الوحيد، مؤخراً، عن الحزب الجمهوري لمنصب الرئاسة. إذ حصد هذا "الديماغوجي" أصوات ملايين الأميركيين في طريقه إلى البيت الأبيض، وبات من غير المستبعد أن يفوز بالمنصب الأكثر أهمية في العالم، وسط نفور واسع من جانب النخبة الأميركية، بمن فيها قادة الحزب العاجز عن وقف هذه المدحلة الانتخابية المفاجئة للجميع.
    ولعل السؤال الذي لا مفر من طرحه والحالة هذه: ما الذي يتمتع به تاجر العقارات هذا، الآتي من خارج الوسط السياسي الثقافي العلمي الأميركي الباذخ، المجهول لدى مجتمع العاصمة واشنطن، من مناقب شخصية، ومآثر خاصة، كي يستقطب الجماهير هكذا، ويحصد الأصوات بالجملة، ويفرض نفسه فرضاً على الحزب الذي يشكك سلفاً بأهلية ترامب، ويطعن بقدراته الذاتية، لتولي منصب القائد الأعلى لقوات الدولة العظمى الوحيدة، وامتلاك مفاتيح شيفرة الأسلحة النووية؟
    إذا كان للمرء أن يستخلص عبرة من هذين المشهدين الفاقعين بشدة، بعد أن يضع جانباً العديد من المشاهد المشابهة، فإن أول ما يمكن استخلاصه، هو أن الجماهير، التي ربما كانت دائماً على حق فيما انقضى من زمن، لم تعد الآن على حق دائما، بعد أن أدت التطورات السياسية والاجتماعية المتلاحقة إلى تغيير العالم، بما في ذلك المثل والقيم والمفاهيم، على نحو ما تنطق به هذه الشواهد الصادمة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"السياسة الأمريكية مؤسسية" (يوسف صافي)

    الجمعة 13 أيار / مايو 2016.
    القارئ في غور المشهد السياسي وعرس ديمقراطية الرئيس أشبه بفيلم بكل مكوناته من يمثل البطل ومن ينافسه وحشود الكمبارس ناهيك عن الديكور والمسلتزمات الأخرى التي تعبر عن قدرة المنتج المالية والمتابع لترامب وغيره ممن سبقوه على خشبة مسرحية انتخاب الرئيس يعلم جيدا ان لاسبيل لأي منهم ولوجا لسدة الرئاسة الإ بموافقة لوبي المال والنفط والسلاح (اللوبي الصهيوني) لاوبل السير وفق النص الذي ارادوه وان تضاربت الأراء (اللعب على عواطف الحشود التي ادمنت اللعبة لاوبل الكثير امتهنها لقاء الأجر المدفوع (المال السياسي) وهذا المعلن وكما حصنّوا انفسهم بقانون السامية حصنوا المال السياسي طالما اللوبي الصهيوني الممول وما يدفع من غيرهم سواء في بلد منشأ الديمقراطية واو البلاد التي استوردتها جهلا واو تبعية لاحصانة له؟؟؟ وحتى لانطيل الرئيس اشبه بناطق اعلامي مع بعض التجميل البرتكولي ؟؟والقرار السياسي مؤسسي له صنّاعه (ضم الصاد) وهذا قديمهم وحديثهم لايمكن تشبيهه أو التمثيل به لذا اقتضى التنويه توضيحا ولكل رأي ورؤية استاذ عيسى