ماجد توبة

العالم الافتراضي.. ونبوءة تتحقق

تم نشره في الأحد 15 أيار / مايو 2016. 11:05 مـساءً

ربما لم يتوقع الكثير من كتاب ومخرجي أفلام الخيال العلمي، الذين صوروا سيطرة الآلات والرجال الآليين والكمبيوترات على حياة البشر في المستقبل، أن يأتي هذا المستقبل سريعا، وأن تتحقق النبوءة اليوم بأسوأ اشكالها، عبر سيطرة العالم الافتراضي وتطبيقات الهواتف الذكية على حياة البشر، وتطغى على مختلف اهتماماتهم!
العديد من كتاب ومخرجي أفلام الخيال العلمي قدموا لنا على مدى سنوات طويلة افلاما وقصصا متخيلة عن خروج الآلات و"الروبوتات" عن سيطرة اسيادها البشر، صانعيها ومبرمجيها، وتفننت السينما الاميركية في رسم ثورات وتمردات الآلات الذكية والكمبيوترات على صانعيها، والسيطرة على مصائر الناس والحياة.
كل ذلك بقي في مجال الخيال العلمي والسينمائي المثير، الذي يستهوي شرائح واسعة من الناس، تعشق الغموض وسبر غور المجهول والمستقبل.
لكن يمكن القول بثقة اليوم ان النبوءة تتحقق بصورة ما، فقد بات البشر اليوم، ومنذ سنوات قليلة، أسرى للعالم الافتراضي، الذي توفره مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية واجهزة الحاسوب، والثورة المعلوماتية والاتصالية الطاغية التي لم توفر دولة متقدمة او ثالثة او متخلفة.
ان نظرة متفحصة اليوم الى التأثير المتعاظم لهذا العالم على حياة وواقع البشر والمجتمعات يؤشر بوضوح الى حجم وعمق السيطرة المتحققة لهذه الاجهزة الاتصالية الذكية وما تحمله من تطبيقات مبهرة ومتنوعة، وتمكنها من احتلال حيزات زمنية كبيرة من حياة الانسان يوميا.
لا شك ان لهذه الاكتشافات وتطبيقاتها فوائد وايجابيات كبيرة، على حياتنا كبشر ومجتمعات، وهي تندرج في سياق التقدم العلمي والتقني الذي لا يمكن لاحد وقفه او الحد من اندفاعاته. وقد وفرت مواقع التواصل الاجتماعي والقدرة على الوصول اليها والاستفادة منها، عالما رحبا للتواصل بين الافراد والشرائح المجتمعية، وقربت المسافات، في جانب ما، بين الناس، وسهلت من تشكيل قوى الضغط حول قضية او مطلب ما، فيما يعيد لها البعض فضلا اساسيا بانطلاق رياح "الربيع العربي" قبل سنوات، عندما شكلت مواقع التواصل اداة للتنسيق والتفاعل والتحشيد واثارة الوعي للشباب العربي، قبل ان تترجم على الارض بحراكات وثورات شعبية واسعة.
الا انني ازعم ان كل الايجابيات الكبيرة لهذا العالم الافتراضي لم تعد تعادل سلبياته وتداعياته الاجتماعية والنفسية والانسانية. وان اخذنا المجتمع الاردني نموذجا يمكن تعميمه بهذا القدر او ذاك على باقي المجتمعات، فيمكن لنا ان نلحظ الهيمنة والسيطرة السلبية الكبيرة التي باتت تفرضها مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية على حياتنا، تحديدا -وهو الاخطر- على حياة اطفالنا وشبابنا.
ثمة ادمان مرضي، واضح وملموس، يمكن رصده بين غالبية مستخدمي هذه المواقع والادوات الاتصالية الحديثة، بل وثمة استغراق وانشغال بهذا العالم الافتراضي عن العالم الواقعي، ما يولد سلسلة سلبيات ومشاكل تطال جوانب مختلفة في حياتنا.
التواصل الاجتماعي الواقعي كان ابرز ضحايا هذا العالم الافتراضي، وانفصال العديد من الاطفال والشباب عن واقعهم وانغماسهم في هذا العالم الرحب من الخيال والحلم بات كالوباء. تراجع القراءة للكتب والمنشورات تعمق اكثر مع انتشار وسائل الاتصال الحديثة والهواتف الذكية، حيث باتت مقاطع الفيديو والتسجيلات القصيرة، التي لا تقدم ثقافة ولا علما ولا أدبا، هي المطلوبة والأكثر انتشارا واستهلاكا من قبل الجمهور!
التأثيرات السلبية على الأطفال والشباب في سن المدرسة لا تقف عند التأثير السلبي على مستوياتهم الدراسية، بل تتجاوزها لتسطيح وعي هذه الشرائح وآفاقها الثقافية والفكرية، ناهيك طبعا عن آثارها النفسية والنمائية السلبية.
الراهن اليوم، أن إحدى أبرز سمات المجتمع الحديث باتت طغيان العالم الافتراضي، ما يفتح على تحديات وإشكالات لا يبدو أنه سيكون لها قرار أو منتهى.

التعليق