عيسى الشعيبي

ما الذي يخفيه حزب الله؟

تم نشره في الثلاثاء 17 أيار / مايو 2016. 12:03 صباحاً

أمام حالة الارتباك والغموض المحيطة بمقتل قائد حزب الله في سورية مصطفى بدر الدين، من الجائز الافتراض أن أمراً جللاً يشق على الحزب اللبناني الإفصاح عنه، وأن لديه معلومات محرجة، وربما جارحة، فيما لو صارح بها جمهوره المتشكك بالرواية المعتمدة. وبالتالي فإن نشر الرواية الحقيقية، والحالة هذه، سيؤدي إلى تعقيد الوضع أكثر، وطرح تساؤلات أبلغ من الأسئلة المثارة حول هذه الضربة الموجعة، الأمر الذي دفع بالحزب المتورط في حرب ليست حربه، إلى العض على جراحه مكرها.
وأحسب أن قيادة حزب الله كانت تعلم سلفاً أن بيانها المرتجل حول هوية من قتل رجلها في سورية، لن يكون مقنعاً لغالبية المخاطبين بهذه الرواية المفككة. إلا أن تلك القيادة التي كانت تحرص جيدا على صدقية بياناتها في زمن المواجهات مع إسرائيل، وجدت أن من الحكمة التنازل عن تلك الصورة الانطباعية الحسنة، لجب التداعيات المحتملة إذا ما وضعت الحقيقة الصادمة، كما هي، بين أيدي رأي عام أصابه الجزع، جراء دفع هذه الأثمان الباهظة في غير موضعها.
وهكذا، فإن السؤال الذي لا يقل أهمية عن سؤال من قتل بدرالدين، هو: ما الأمر الذي يخفيه حزب الله عن ناسه المتعطشين لفض ملابسات هذا الحادث ثقيل الوطأة على منظومته العسكرية، التي تواصل النزف بغزارة في الآونة الأخيرة؟ وما سبب تجهيل الفاعل هذه المرة، وإحالة المسؤولية على جهة غير محددة، لاسيما وأن بدرالدين ليس القيادي الأول الذي يقضي في ظروف غامضة، في ذلك المستنقع الذي انزلق إليه حزب الولي الفقيه، مضحياً بكل رصيده؟
إذ يبدو أن الحزب، الذي بدّل أعداءه، ولطخ سمعته في مضايا، وقع في مفاضلة عسيرة بين قول الحقيقة المريرة، أو الهروب إلى الأمام لتدارك ما يترتب على قولها من استحقاقات يصعب تأجيل دفعها إلى أجل مفتوح، وفق القاعدة التي تم ابتذالها كثيراً، وهي الاحتفاظ بحق الرد في الزمان والمكان الملائمين، مما جعله يأخذ بأهون الشرين، بإلقاء وزر هذه الخسارة الفادحة على عاتق جهة لا عنوان لها، وترك عامل الزمن كي يلعب لعبته الماكرة.
فمن بين كل الاحتمالات المتصلة بمقتل رئيس أركان حزب الله، يبدو احتمال استهدافه من جانب المعارضة السورية المسلحة أضعف الممكنات على الإطلاق، إن لم يكن مستبعداً إلى أبعد الحدود، لاسيما أن هذه المعارضة لم تنسب لنفسها شرف هذا الإنجاز المدوي ضد قائد الحملة على بلدة القصير، فيما يبدو احتمال ترصّده من جانب إسرائيل، ذات التاريخ الحافل بالاغتيالات النوعية، أرجح الفرضيات، وذلك من دون أن نغفل جملة من السيناريوهات المتداولة على نطاق واسع.
عليه، فإن فاجعة حزب الله بخسارة رجله العسكري الأبرز، تبدو أقل كلفة من مكاشفة قواعده، بأن خرقاً أمنياً على مستوى رفيع في دمشق، لا علاج له، سهل على إسرائيل إلحاق مصطفى بدر الدين بمن سبقه على الدرب المميت ذاته، أمثال عماد مغنية وسمير القنطار، وغيرهما، ممن قضوا في ظروف مشابهة. فإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن سؤلاً أكبر سيطرح نفسه، حول ما إذا كانت روسيا الممسكة بسماء دمشق، والصامتة صمت المريب، على علم بعملية التصفية هذه؟
بحسب الأخبار شبه المؤكدة، فإن واقعة مقتل بدر الدين جرت قبل الإعلان عنها بعدة أيام، وأن حسن نصرالله، الذي غالبته دموعه في آخر ظهور له، كان يعلم بالواقعة وبمن تورط فيها، إلا أنه آثر إغلاق الملف، كونه لم يعد قادراً على مجرد التلويح بالانتقام من إسرائيل، المطمئنة تماماً إلى انشغاله الكلي بالجبهة السورية.
فإذا لم يكن بدر الدين قد قضى أثناء ملاسنة مع أحد الضباط السوريين، الذين كثيرا ما تعرضوا للإهانة من قبل قادة حزب الله الميدانيين، أو جرى تصفية الرجل في نطاق عملية التخلص تباعاً من المتورطين بجريمة اغتيال رفيق الحريري، أو أنه قضى نحبه جراء منافسات داخل البيت الشيعي، فإن مقتله تم في واحدة من اثنتين: إما في معارك خان طومان، كغيره من الجنرالات الإيرانيين، وإما أن إسرائيل قد تمكنت منه بالفعل، وهذا هو الأرجح على أي حال.

التعليق