حق للأردنيين الافتخار بوراثة نهضة العرب ومبادئ ثورتهم الكبرى

في سبعينية الاستقلال: عيد بنكهة التحديات.. والإصلاح نهج للحكم

تم نشره في الثلاثاء 24 أيار / مايو 2016. 11:00 مـساءً
  • ملوك بني هاشم.. مسيرة طويلة ومتواصلة من البناء والعطاء

عمان-الغد- أمام حصار حربي على الحدود، في المنطقتين الشرقية والشمالية، وغياب العدالة في حل القضية الفلسطينية على الحدود الغربية؛ تحتفل المملكة بعيد استقلالها السبعين، متزينة بالفرح وهي تحتفل بالمئوية الأولى للثورة العربية الكبرى، نهاية الأسبوع المقبل.
ويستذكر الأردنيون في مثل هذه المناسبات تضحيات الآباء والأجداد، وأفواجا من القوات المسلحة (الجيش العربي)، والأجهزة الأمنية، الذين ما بخلوا وهم يضحون بأرواحهم في سبيل حماية الوطن، من أزمات المنطقة والإقليم، والتي خبرتها المملكة منذ استقلالها، العام 1946.
وأمام هذه المناسبات، لا يبخل الأردنيون في الإفصاح عن فخرهم، بشرعية الإنجازات التي تحققت، فبفضل التكامل في أدوار المؤسسات الرسمية؛ العسكرية والمدنية، يعيش الأردن استقرارا لافتا، وسط إقليم يعج بالفوضى والمتغيرات، في حين تستكمل المؤسسات المدنية، الدستورية منها على وجه التحديد، العمل الدؤوب على استكمال عقد الإصلاحات المنشودة، وفق رؤى جلالة الملك التي عبر عنها في أدبيات أردنية راسخة وموثقة.
ولئن خاض الأردن معركة المصير، وإثبات الذات مع الدول العربية الشقيقة، فإنه كرس معادلاته الوطنية، على هدي فلسفة الحكم، ووعي الشعب، فما من أزمة في المنطقة، إلا ومر بها الأردن، ولكن حاصل الفرق هو حسن التصرف وإبداع الحل، اللذين جنبا البلاد ويلات عدم الاستقرار، وغياب الأمن، أو المساس بقيم المجتمع الأردني.
وفيما يعترك الأردن مع حرب عصابات الجماعات الإرهابية، "داعش" وذيولها في الجوار، فقد استبسل في معركة الدفاع عن الدين الإسلامي الحنيف، وتأكيد قيم التسامح والاعتدال بالرسالة الإسلامية، ودستورها القرآن الكريم، ومنهج تطبيقها في السنة النبوية المحمدية، التي ما اعتدت على أمن الآخرين، واعترفت بالآخر على أرضية الأخوة بالإنسانية، والشراكة على الأرض.
على أن الأردن وقيادته لم يؤخرا يوما أولوية القضية الفلسطينية، وظل جلالة الملك عبدالله الثاني، حاملا لمطالب العدالة الدولية، في التعامل مع أقدم احتلال في العصر الحديث، وتثبيت أركان قيم العدالة من خلال تطبيق قرارات الشرعية الدولية، والالتزام بمسار المفاوضات، بنتائج لا تقبل بأقل من إعلان قيام الدولة الفلسطينية على ترابها الوطني، كاملة السيادة والكرامة، وعاصمتها القدس الشريف.
ويربط الأردن بحكمة قيادته، بين أزمات المنطقة كنتائج، وبين جوهر الأسباب كحقائق، فقد عبر الأردن الرسمي، في أكثر من خطاب رسمي نطق به رأس البلاد، بأن المسبب لأزمات منطقة الشرق الأوسط، هو استمرار الاحتلال الإسرائيلي، الذي ما يزال يمارس بشاعات الاحتلال على الشعب الفلسطيني الأعزل، ويشوه هوية مدينة القدس الشريف، كعاصمة رمزية للديانات السماوية، وكمدينة عربية تحمل دلالات قدسية، ومهابة موروثة من حضارات تاريخية ضاربة في القدم.
وفي مواجهة كل التحديات التي تحيط بالمملكة كحزام النار وأشد، وتضيق حلقات الأزمة على قياس أصعب المحن، ضربت المملكة مثالا في التأكيد على سمو قيم الإنسانية، بعد أن استقبلت هجرات إنسانية في مناطق واسعة من البلاد، وإن كانت تلك الهجرات متذبذبة الأرقام، وعبر سنوات طوال، فإن أزمة اللجوء السوري ضاعفت من العبء الاقتصادي على كاهل المملكة، التي تعاني من تراجع واضح في أرقام الاقتصاد والتنمية، بسبب الحروب والأزمات، بعد أن ارتفعت أعداد اللاجئين السوريين، وعلى مدى السنوات الست الماضية، إلى نحو 1.5 مليون لاجئ ومقيم سوري داخل حدود المملكة.
على شدة ما يعانيه الاقتصاد من ضعف عام، فإن استقبال اللاجئين السوريين، ظل أولوية إنسانية أردنية، ما تأخرت الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها القوات المسلحة- الجيش العربي، عن تقديم العون عبر استقبال حبل طويل، من الشيوخ والأطفال والنساء السوريين، على أن التمسك بالأولوية الأمنية، زاد من اتساع عين الرقابة الأمنية على كل داخل من مناطق الحروب والأزمات.
وفي غمرة احتفالات المملكة في الذكرى السبعين للاستقلال، والذكرى المئوية الأولى للثورة العربية الكبرى، كرس الأردن نهج الإصلاح الشامل كدالة حكم في مطلع الألفية الجديدة، فمع تراكم المطالب الإصلاحية عبر سنوات خلت، فجر الملك عبدالله الثاني ثورته الإصلاحية، مفتتحا عهد ما قبل الربيع العربي، بإصلاحات دستورية، طالت ثلث نصوص الدستور، واعدا بالتمسك بنهج المراجعة المستمرة لنصوص دستورية، لا بد من أن تواكب مسيرة الإصلاح والتحديث، التي تشهدها البلاد.
ولئن استتبع الملك ثورته بمحطات إصلاحية ماثلة للعيان، فقد استكمل عقد منظومة الإصلاحات التشريعية، بأركانها الأساسية، عبر إقرار قوانين الانتخاب والأحزاب والبلديات واللامركزية، ليلفت أنظار المتابعين، لما ستشهده المملكة في المرحلة المقبلة، من إصلاحات ديمقراطية جذرية، عبر التأكيد على سلامة التمثيل الشعبي في المجالس المنتخبة، سياسيا وتنمويا ومحليا.
العبور الآمن للبلاد خلال سنوات الأزمة، التي طال أمدها، يؤكد سلامة الخيارات الأردنية في اتباع نهج الإصلاح الشامل المتدرج، عبر محطات واضحة، وبأدوات صحيحة، فأولى حلقات تحصين المملكة من الأخطار، كان ضمان تماسك الجبهة الوطنية، على قلب موقف واضح وثابت، وهو استقرار النظام السياسي، والتعبير فعلا لا قولا عن مدى أولوية أمن المجتمع وسلامته من كل الفتن والنزاعات.
المعادلة الأردنية في تثبيت جبهاتها على معيار السلامة والأمن، باتت محددة، ومتساوية الأطراف، فالحكمة الملكية في التعامل مع السياسة الخارجية، جنبت المملكة الانجرار وراء تداعيات الحرب السورية، والفوضى العراقية، فيما الثابت من مطالبة الملك للمجتمع الدولي، بتحصيل العدالة للقضية الفلسطينية، حمت الأردن من الأكاذيب الإسرائيلية. وأمام كل ذلك أدخل جلالته معاملات الإصلاحات الداخلية، لضمان تحصين قيم الوحدة الوطنية، وتثبيت منهج دولة المؤسسات والقانون، والالتزام بالإصلاح وفق متطلبات كل مرحلة، ووفق معادلة زيادة الجرعات، والانتباه للآثار الجانبية للقفز نحو المجهول.

التعليق