عيسى الشعيبي

بين نار الفلوجة ورمضائها

تم نشره في الثلاثاء 31 أيار / مايو 2016. 12:06 صباحاً

شأنها شأن سائر المدن والبلدات والنواحي التي حط فيها تنظيم "داعش" أقدامه السوداء، خصوصاً في سورية والعراق، وقعت مدينة الفلوجة في شر أعمال أشرس تنظيم عرفته هذه البلاد في تاريخها الحديث؛ ليس فقط جراء ما تتعرض له المدينة المخطوفة، في هذه الآونة، من قصف تدميري شامل، وقتل من دون تمييز، يطال عشرات آلاف المواطنين، وإنما أيضاً بفعل الممارسات الهمجية المرعبة التي تعرض لها السكان في تلك الديار.
هكذا، وقعت الفلوجة تحت وطأة مصيبتين مزدوجتين: الأولى، من داخلها حيث قانون التوحش سيد الموقف. والثانية، من خارج أسوارها المطوقة بأرتال الحديد والراجمات، في مشهد يصح معه القول إن هذه المدينة العراقية ذات الرمزية الباذخة في وجدان العراقيين، تتقلب الآن على جانبيها بين النار والرمضاء، وسط حالة من التخلي والترك، وربما التشفي، من جانب أعيانها وممثليها الساكتين على مضض، وشيء من الحرج، على إبادة مدينتهم في وضح النهار.
وكان لمعركة تخليص الفلوجة من براثن المصيدة التي وقعت فيها تحت سمع وبصر القوى الأمنية العراقية، قبل نحو ثلاثين شهراً، أن تشكل بداية مرحلة تأسيسية في مسار استعادة بلد المحاصصات لعافيته الوطنية، واستكمال حربه ضد الإرهاب والفساد والمليشيات؛ وكان لهده المعركة المؤجلة طويلاً، أن تكون أيضاً فاتحة لعهد عراقي جديد، لو أنها جرت في سياقات وطنية جامعة، تخاطب مستقبل بلد لم تقم له قائمة منذ الغزو الأميركي. غير أنه عندما تجري المعركة تحت رايات طائفية بغيضة، ويقودها جنرال إيراني تعهد مهمة تقويض العالم العربي من الداخل، وتبدو المسألة وكأنها تتمة لمعركة كربلاء، فإن المحصلة النهائية الذاهبة مذهب الثارات التاريخية، لن تخدم في نهاية المطاف، وأياً كانت النتيجة المباشرة لها، سوى الأهداف طويلة الأجل لـ"داعش" الذي كان يتشوق لهذه المعركة، كي يظهر بمظهر المنافح عن الأمة المستضعفة، في وجه تحالف إيراني أميركي مريب على رؤوس الأشهاد.
ولا أحسب أن "داعش" وهو يخوض غمار معركة أعد لها كامل عدته، وحشد لها وإحدى عينيه على الرقة والأخرى على الموصل، كان ينتظر ما هو أثمن من هذه الهدية التي قدمتها له الأحقاد الطائفية العمياء على طبق من فضة، أو أنه كان يمنّي نفسه بأعظم  من هذه الصورة المشهدية، كي يعزز صورته كمحارب لا يشق له غبار، ويروج لزعمه كمدافع عن أمة تهمشت فيها الأغلبية، واستبد بها حكم الأقليات الدائرة في فلك إيران المتفاخرة بالهيمنة على أربع عواصم عربية.
منذ ظهور "داعش" على مسرح الأحداث قبل سنوات، وبعد أن تكشفت على الملأ هويته كأداة قتل لا ترحم، تشيع الرعب وتقتص من الناس على الشبهة، وتستدعي المزيد من الأعداء الأشداء، ساد تقدير موقف أولي قوامه أن مقتل هذه التنظيم المتوحش سيكون على يده، لا على يد جبهة طويلة من المتربصين به، وأن لا منجاة له غير جر إيران إلى الميدان، وإدخال أميركا على خط القتال فوق الأرض، باعتبار أن الأولى ستمنحه قبلة الحياة، فيما الثانية ستعطيه أكسير الخلود.
ولعل ما يجري تباعا من فصول الحرب الدائرة الآن في الأنبار، وما يتخللها من شحن طائفي وأحقاد تاريخية، هو الدليل بعينه على أن هذه المأساة الإنسانية المتفاقمة يوماً بعد آخر، قد دخلت طورا جديداً أشد هولاً مما كانت عليه بالأمس، وأنها ستتواصل من الآن فصاعدا بنفس مذهبي أكثر فجاجة من ذي قبل. وهما أمران يصبان المزيد من الذرائع والمفخخات والمؤيدين في طاحونة هذه التنظيم، الذي لا يستطيع العيش إلا في مثل هذه المناخات المواتية لسفك الدماء، وإطالة أمد الحرب داخل الإسلام إلى أجل غير معلوم.
ويزيد طين وادي الرافدين بلّة، أن العراق لم يعد سوى دولة على الورق، بالكاد تظلل المليشيات وفلول الصحوات، وأرباب الفساد، ومكوّنات مذهبية وعرقية يخشى بعضها بعضا. وفوق ذلك، أنه كلما طال أمد الحرب البشعة على الفلوجة، وأظهر "داعش" قدرة على الصمود والقتال، زادت جاذبيته، واستقطب تعاطفاً أوسع من لدنّ فئات اجتماعية إضافية، من داخل العراق وخارجه، ترى فيه شراً أهون من الشر الذي يفيض به عنف وهمجية الحشد الطائفي.

التعليق