الجَمَال: المواءمة بين ما هو مسطور في الكتب ومنثور في الأكوان

تم نشره في الخميس 2 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً

معاذ بني عامر

تبدو فكرة الجَمَال، فكرة مرتبطة بالوجود الإنساني أصلاً، أكثر من ارتباطها بوجوده العقلي. فالإنسان بحدِّ ذاته منحوتةٌ باهرة الجَمَال، تبعث على الدهشة والإرباك، حتى لِمَن هم بلا ثقافة أو ينقصهم الوعي الجَمَالي.
ولا شكَّ أن موضوعة الاندهاش، والقدرة على إحداث بلبلة سعيدة داخل الذات الإنسانية، والشعور اللِّذِّي المُصاحِب لهذه البلبلة، هي موضوعة غائرة في أعماق الوجود الإنساني، حتى من قبل أن يتمكن العقل من تأطير الأسس الجمالية، ويمنحها مفاهيمية ذهنية تُلقّن –عبر النصوص- للأجيال القادمة. لكنْ ثمة سؤال يُطرح في هذا السياق: أيهما أكثر تحقيقاً للجمال لدى الإنسان؛ النصوص الجميلة التي كُتبت وتناولت موضوعة الجمال، وجُعل من مادتها متعة ذهنية بالدرجة الأولى؛ أم تلك الخبرات الخارجية المبثوثة في أرجاء الكون، وتبعث على السعادة كلما عاينها الإنسان واستشرف معالمها؟ أيهما أكثر جمالاً من وجهة نظر الإنسان؛ النصوص المسطورة أم العوالِم المنثورة؟
أنا أقول بأفق ثالث، أفق تواصلي بين المتون العقلية والمتون الكونية؛ قنطرة واصلة بين ما هو مسطور وما هو منثور؛ القنطرة التي عَبَرَت بما هو منثور إلى ما هو مسطور، ومن ثمّ اختزلت ما هو منثور بالمسطور، وحال الجمال إلى جمال ثنائي مزدوج، لا يفتأ يُشقشق من جِراب العقل الإنساني ويتناسل في أرجاء العالَم، ولا يفتأ أيضاً يستجمع خبرات العالَم الكبيرة ويُسطّرها في متون عقلية جميلة وبديعة.
إذن، أنا أُبشِّر بالإنسان بصفته أعظم أيقونة جمالية في العالَم، تتجمّع فيه الخبرات الكونية الخارجية، ومن ثمّ تعاود الانطلاق من جمجمته، مثل حقل من الفراشات الزاهية الجميلة، بعد أن يشتغل عليها ترميزاً ذهنياً. فالإنسان؛
1 - مرحلة ما قبل النصوص، كان يرفل بثوبٍ من العفوية الكاملة في التعامل مع إحداثيات العالَم الذي يعيش فيه، ويصل إليه بصره وبصيرته، لذا كان يخفق قلبه لبتلةٍ صغيرة كانت تتبرعم للتو على صخرة صمّاء، وكان سمعه يُشنّف لصوت عصفور يُغرّد على غصن بعيد، وكان بصره يرتقي وهو يتأمّل ضوء نجمة في أقاصي الكون المنظور، وكانت ذائقته تتحفّز لذاذةً لقضمةٍ من عسلٍ صافٍ، وكانت معدته تشتاق لأكلةٍ زاكية شمّ رائحتها اللذيذة أنفه الحسّاس، وكانت مساماته تتوتر توتراً حيوياً كلّما اقترب من جسد مُخالف له في الشحنة الجنسية إلى درجة إشعال جذوة الحياة والارتقاء بها فوق معاني التعب والضنك من هذه الحياة القاسية، إذ يركن إلى قَبيلهُ (للذكر الأنثى وللأنثى الذكر)، ويستعشر جماله الباهر لحظة التواصل الجسماني الحميمي. وقبل أن ينبهر بهذه أو تلك، كان قد انبهر بذاته أساساً، فالذكر انبهر بالأنثى بصفتها أعظم منحوتة جمالية أمكنه الركون إليها، والتمتّع بها ليس على المستوى الجسماني فحسب، بل على المستوى الشكلي أيضاً. لقد انبهر بأنفها المُدبّب وفمها المنمنم وعنقها الأتلع وأذنيها الصغيرتين وشعرها المنثور فوق كتفين بديعتين؛ وبالمثل كانت قد انبهرت بالذكر وتجلياته الشكلية المختلفة، بصفته أعظم منحوتة جمالية أمكنها أن تتأمّلها وتُربك منظومتها، وتجعلها في حالة اغتباط، سواء لحظة تشهّي الوصل بهذي المنحوتة الباهرة، أو لحظة تحقّق هذا التشهّي على أرض الواقع. ولربما عكست أسطورة "نرسيس" جانباً جمالياً، يتجاوز ما اصطلحت عليه المفاهيم النفسية التي رأت في الأسطورة مثالاً على أنانية الإنسان وتأكيداً لذاتٍ واحدة على حساب الذوات الأخرى؛ فصورة "نرسيس" في الماء هي صورة الإنسان على إطلاقه إذ ينبهر بذاته أولاً، قبل أن يدخل خيطه في إبرة العالَم ويبدأ بخياطة كنزة الجمال، ما نُثر منها في ارجاء الكون وما سُطّر منها في النصوص.
2 - والإنسان مرحلة ما بعد النصوص، هو الذي اختزن الجمال الخارجي وأودعه في متون وحرصَ عليها من الضياع، لأن جزءا من خبرته الروحية والمعرفية مودوعة في هذ الحرز الأمين. لقد أودعَ خبرات حواسه في تعاملاتها مع العالم الخارجي، في نصّ أقرّ له بالفائقية على بقية الكائنات التي تعيش على هذا الكوكب، لأنه استطاع –عبر عمليات وعي مُتنامٍ- أن يختزل اللامتناهيات في الخارج ويحوّلها إلى مُتناهيات في الداخل، ويعمل –في الوقت ذاته- على ترميزها وتشذيبها وتبويبها وتهذيبها، لغاية إجراء تعديلات عليها، بما يتلاءم وشرط تطوّر الوعي الجمالي عند الإنسان. فمرحلة ما بعد النصوص هي التي جعلت من الإنسان سيداً لهذا العالَم، واختزل العالَم المنثور في نصّ مسطور.
لذا، من الأهمية بمكان –كما أعتقد، مع فتح المجال أمام جميع وجهات النظر الأخرى، لغاية البحث عن المشترك الكبير الذي لا يمكن له أن يتحقّق إلا بجهود كل المهتمين– المؤاءمة بين تأمّل قوس قزح في يوم يبعث على سعادة لذيذة بفعل الشمس والمطر معاً، وقراءة ما كتبه "ريتشارد دوكنز" في كتابه "سحر الواقع" عن قوس قزح، بصفته ظاهرة ساحرة على أرض الواقع، حتى بعد تفكيك مشهديتها التي نراها إلى عناصرها الأولية، فتلك العناصر تنطوي على ميزات جميلة بحدّ ذاتها.
ومن الأهمية بمكان تأمّل عيون النساء وآذانهن وأنوفهن ومظاهرهن البديعة، وقراءة أشعار مجنون ليلى ومسرحية "روميو وجولييت" لشكسبير ورواية "جميلة" لجنكيز إيتماتوف.
ومن الأهمية بمكان حضور عرض أوبرالي، وقراءة مذكرات الراقصة الأميركية إيزرا دونكان "حياتي".
ومن الأهمية بمكان تأمّل نجوم السماء في ليلة صافية من ليالي الصيف الجميلة، وقراءة كتاب "الكون الأنيق" لبراين غرين.
ومن الأهمية بمكان تأمّل لوحات "سيزان" و"بيكاسو"، وقراءة كتابي: "الفن خبرة" لجون ديوي، و"الفن" لكلايف بل.
ومن الأهمية بمكان معاينة مشهدية شروق الشمس وهي تشقشق من ثنايا جبل بعيد، وقراءة رواية "شمس آل سكارتا" لوران غوده.
بما يؤكد قدرة الإنسان على الجمع بين ما هو مبثوث في الكون ومسطور في الكتب؛ الخبرة الواقعية بإزاء الوعي العقلي، والناتج المنبثق عنهما: ناتج الإنسان الجميل ليس جمالاً عفوياً فحسب، بل جمال عقليّ أيضاً.

التعليق