"هذا وطني"

تم نشره في الثلاثاء 7 حزيران / يونيو 2016. 11:03 مـساءً

حين فشلت كل خطابات المسؤولين ومؤتمراتهم واستراتيجياتهم في تنمية الحس الوطني والانتماء الصادق، فكلما حلت فجيعة بأعزاء علينا، زاد لدينا الحس بالانتماء.
معادلة صعبة، لا تجد لها سابقة في كتب المؤرخين، ولا تفسيرا في موسوعات العلماء، ولا تحليلا في كتب السياسيين، بل تجدها يقينا ودستورا في وجدان الأردنيين؛ فهم من صنعوا المجد والكبرياء من أنّات جراحهم الوطنية.
حين تطوف الأردن، قد تجد الفقر والبطالة؛ وهذا نتيجة السياسات البالية، أو قد يكون بسبب تهميش الحكومات. ولكنك تجد في بيوت الأردنيين العز والوفاء والكرامة.. فقد أدركوا أن الوطن سجادة صلاة نركع ونسجد خاشعين شاكرين من عليها. فالنسب قد ترتفع أو تنخفض، والسياسات قد تثبت أو تتغير، أما الأوطان فهي في القلوب؛ إما أن نعيش على حبها أو أن نموت عرفانا لحبها، هذه معادلتنا، وهذا مصيرنا، وهذه تجارتنا التي لن تبور: "طالما الوطن بخير، الشعب كله بخير".
نعم، سرق الفاسدون أرزاقنا، ودمر العابرون على الكراسي أحلامنا، وحطم من سقطوا علينا بـ"الباراشوت" أمنياتنا؛ تركوا الوطن مكشوفا على الفقر والعجز والمديونية، لكنهم لم يتركوه مكشوفا للجبناء والذئاب والخبثاء.. ففينا أسودٌ لا يعنيها النسب ومقررات الصناديق وكواليس المؤتمرات، بل تعنيها فقط أن يبقى هذا الوطن عصيا على الجبناء: "رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا"، صدق الله العظيم.
لا نخاف على وطن فيه أمهاتنا الصابرات. ولم تكن الجنة؛ جزاء العابدين المتقين، تحت أقدامهن، إلا لأنهن من ينجبن المخلصين، وهن من يدفعن بفلذات أكبادهن لصفوف العسكر لتكون صدقتهن الجارية حماية الوطن والدين. وهن من يصبرن صبر سيدنا أيوب على الفراق وعلى الشدائد والمحن، لا عزاء لهن، ولا عوض لهن، ولا مواساة لهن، إلا أن يبقى الوطن خالدا معززا. ليس بين أمهاتنا من تجوح وتنوح مثلما كانت تفعل نساء الجاهلية الأولى، بل فينا من تحتسب ابنها فداء للوطن والدين. وأولاء لسن ثمار المنتديات والندوات والاستراتيجيات، بل هن ثمار إبريق الوضوء وصلاة الفجر والزعتر والزيتون. هذا وطني باختصار؛ فيه تنتج لنا العابدات الصالحات أسودا تسيج الوطن من كل مكان، وفيه الأمهات مدارس الرجولة، لا ينجبن ولا يسهرن ولا يحصدن ولا يعلمن.. إلا ليكون الولد فداء للبلد. وفيه تكون "الله يرضى عليك يمّه" سر بقاء الوطن عصيا على كل مؤامرات الكون.
وطن فيه أم لؤي وأم هاني وأم عمر وأم أحمد وأم محمود، لا نخاف عليه؛ فهن دعاوى التوفيق، وهنّ هبة الواجب ونصرة الحق، وهنّ الوجع لما أصاب غيرهن لا ما أصابهن. هنّ البركة، وهن الدمعة التي تحبس في العيون تسليماً بالقدر حين يقولون لها: ابنك أصبح في عليين.
يا أمهات الأردنيين؛ على شواهد القبور انتقل الأحباء وفلذات الأكباد إلى الرفيق الأعلى. لكن على شواهد القلوب، أنتن وهم في وجداننا الأعز والأغلى.
بالأمس، كان لكل واحدة ولد يطلب الرضى. واليوم، شعب بأكمله يطلب ويدعو الله عز وجل بأن ينلن درجة الصابرين الذين يوفون أجورهم بغير حساب. اللهم ارحم شهداءنا وجازهم عنا خير الجزاء... اللهم آمين.

التعليق