د.أحمد جميل عزم

معضلة قيادات الصف الثاني الفلسطيني

تم نشره في الأربعاء 15 حزيران / يونيو 2016. 11:04 مـساءً

باتت حالة شائعة أن تجلس مع عضو لجنة تنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية، في مناسبة عامة أو ضمن لقاء إعلامي؛ أو حتى عضو لجنة مركزية في حركة "فتح"، وتجدهما ينافسان المحللين السياسيين والأكاديميين والناشطين، وحتى المواطنين العاديين، في إبداء الحيرة السياسية من الوضع الراهن، وحتى التفوق عليهم في انتقاد الأداء الرسمي وفي طرح الأسئلة الاستنكارية والاستفهامية على السواء، من دون تقديم إجابات، فيما يشبه إعلان العجز عن الفعل والتأثير، لكن أيضا من دون إعلان تصور عملي بديل، ومن دون استعداد للانسحاب من المشهد.
أسأل عضو لجنة تنفيذية عن أمر ما يفترض أنّه محور القرار الفلسطيني، والشغل الشاغل (في وقت السؤال)، فيجيبني بماذا قالت الصحيفة "الفلانية" أو تلك. أحار، وأحترم السن والتاريخ أيضاً، وأصمت. وأود لو أقول إنّ لدي، بحكم الخبرة والمهنة، قدرة فائقة على قراءة الصحف والمصادر، ولا أحتاج أحداً ليلخصها لي، وخصوصاً "صانع قرار". وأظهر مع عضو "قيادة" آخر في برنامج إذاعي، وكلما سألتُ سؤالاً، سأل سؤالاً، وكلما قدمت تصورا أو اقتراحاً قدم مثلهما. وقبل أن تنتهي مشاركتي، أستميح مقدّم البرنامج العذر بأن أدلي بتعليق، وأخبر ذلك العضو أنّ هذه حالة غير صحية، فأنا محلل وأكاديمي ومواطن، يمكن أن أسأل وأنتقد وأقترح، ولكن هو/ هي "قيادة" ونريد إجابات وتصورات وقرارات ومواقف، فيكون الرد: "إنّ هناك معضلة في عملية اتخاذ القرار". ويجيب عضو قيادة ثالث، في محاضرة عامة قبل أيام: "إن رأس هرم اتخاذ القرار ضيق جدا"، بمعنى أنّ من يتخذون القرارات عددهم محدود للغاية؛ وفي هذا رد على سؤال الحاضرين: "من ينفذ أفكارك؟" أو "لماذا لا تناقشون أفكارك في (مطبخ) صنع القرار؟".
الواقع أنّ الحديث هنا عن أعضاء في هيئات القيادة العليا الفلسطينية، لكنهم لا يبدون في مركز صنع القرار. وهؤلاء نوعان: الأول، لا توجد لديه رؤى وبرامج تذكر للخروج من المأزق الفلسطيني، ودوره بات تكميلياً للمشهد، أو بات موجوداً بسبب عدم وجود تجديد لهيئات القرار الفلسطيني. والثاني، لديه تصورات ورؤى تستحق المناقشة والاهتمام، بل ولديه طاقة ودور يمكن أن يؤديه.
من هنا يصبح الحديث عن النوع الثاني. باعتبار أنّ الجزء الأول، سواء من كان له تاريخ يستحق كل احترام وشكر، أو من لم يكن له ما يؤهله لموقعه، قد آن الأوان بالنسبة له أن يترجل كفارس ويتيح المجال لغيره. أمّا النوع الثاني، فلا يبدو أنّ أمامه سوى درب من اثنين؛ الأول أن يقوم بدوره من خلال البنى الفوقية للسياسة الفلسطينية، وهذا يمكن أن يجري بأكثر من طريقة. أولاها، أن يطلب وبكل جرأة وصراحة وفاعلية، وأن يطرح بشتى الطرق تصوره للحل والتحول داخل دوائر القرار الفلسطيني، ويجمع حوله من يساند فتح الملفات المغلقة، وتحريك المياه الراكدة. والثانية، أن يعلن نفسه مرشحا للقيادة/ الرئاسة، وأن يطالب بالتجديد الديمقراطي ليكون في موقع يتيح تنفيذ برامجه.
إلى جانب العمل من خلال البنى السياسية الفوقية، يمكن السعي إلى العمل من القاعدة إلى أعلى، لتكوين تيار شعبي وسياسي يدعم برنامجا ما محددا بخطوات عملية محددة، وليس مجرد رؤى ومواقف سياسية معينة، وأن يتم التعبير عن ذلك بشفافية، وصراحة، وديمقراطية، واستقلالية، ومحاولة حشد التأييد المطلوب لهذه البرامج، بل وتنفيذه.
إذا كان السياسيون من أصحاب البرنامج، والطاقة، والقدرات، والرؤى، غير قادرين على سلوك أي درب من هذين الاثنين (الفوقية والقاعدية)، فإنّهم يصبحون بلا تأثير، ويصبح وجودهم عبئا، أو معطِّلا، حتى لو حسنت النوايا، وحتى لو كان لديهم ما يقدمونه لو كانت الحالة المؤسسية والسياسية صحية، وجماعية، وكان يمكن أن يكونوا جزءا من منظومة فاعلة في ظرف آخر.
استمرار عدم التجديد في منظمة التحرير، وخصوصاً المجلس الوطني الفلسطيني، وبالتالي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وفي الاتحادات الشعبية والمهنية الفلسطينية، وضيق حلقة اتخاذ القرار، يؤديان إلى أجيال جديدة، تفكر بأطر وسبل مختلفة. ومن يعبر عن ذلك هم شباب "بنادق الكارلو" الذين ينفذون عملياتهم من دون مشاورة، والشبان الذين نزلوا للحواجز في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.

التعليق