سياسة تركيا السورية المتغيرة

تم نشره في الخميس 16 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً
  • الرئيس التركي رجب طيب إردوغان - (أرشيفية)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كمران بخاري - (جيوبوليتيكال فيوتشرز) 10/6/2016

تعيش تركيا راهناً في وسط تحول رئيسي في سياستها الخاصة بسورية. ولطالما عارضت أنقرة الأكراد السوريين، لأنها ترى فيهم تابعين للحركة الانفصالية الكردية، حزب العمال الكردستاني. لكنها وصلت حالياً إلى حل وسط مع واشنطن، والذي تقبل بموجبه بدور للحزب الديمقراطي السوري وجناحه المسلح، وحدات حماية الشعب، في القتال ضد مجموعة "الدولة الإسلامية". وسوف يستمر الأتراك في النظر إلى الأكراد السوريين على أنهم أعداء. ومع ذلك، وحتى الآن، فإن علاقتهم مع الأميركيين والتهديد القادم من "داعش" يشكلان أولوية أعلى بالنسبة لهم.
وكان وزير الخارجية التركية، مولود شافيزوغلو، ادعى يوم 7 حزيران (يونيو) الحالي بأن واشنطن ستضمن أن لا تحافظ القوات الكردية السورية على تواجد لها إلى الغرب من نهر الفرات بعد انتهاء العمليات التي تقودها الولايات المتحدة ضد "الدولة الإسلامية". ومتحدثاً لإذاعة "تي أر تي هابر" المملوكة للدولة، قال أعلى دبلوماسي تركي: "إذا أرادت وحدات حماية الشعب إعطاء دعم لوجستي في الشرق من الفرات، فسيكون الأمر عند ذلك شيئاً مختلفاً. لكننا لا نريد وجود حتى مجرد مسلح واحد من وحدات حماية الشعب في المنطقة الواقعة إلى الغرب (من الفرات) خاصة بعد انتهاء لعمليات. وقد أعطتنا الولايات المتحدة ضمانات بذلك".
ويوم 2 حزيران (يونيو)، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن بلده تلقى تأكيدات بأن العرب هم الذين سيقودون القتال ضد "داعش" في منطقة شمالي سورية حيث تقع مدينة منبج، بينما سيلعب الأكراد دوراً لوجستياً في الجزء الأعظم.
ويوم 30 أيار (مايو) الماضي فقط، أعلنت تركيا أنها مستعدة للمشاركة في عملية مشتركة مع الولايات المتحدة ضد "داعش" وإنما شريطة أن لا يكون الأكراد جزءاً منها.
لاحظنا بداية هذا التحول في السياسة التركية عندما قام قائد القوات الوسطى الأميركية الجنرال جوزيف فوتيل بزيارة مفاجئة إلى تركيا لكي يطلب منها لعب دور رئيسي في الهجوم المضاد ضد "داعش". وكان فوتيل قد توجه إلى تركيا من سورية؛ حيث اجتمع مع قيادة الحزب الديمقراطي السوري، ووحدات حماية الشعب.
وقبل ذلك بثلاثة أيام، ألمح أردوغان إلى تغيير في موقف بلده عندما قال إنه لم يكن لدى تركيا "لا الفرصة ولا الحق في إدارة ظهرنا لمنطقتنا وللعالم". كما أضاف: "من يستطيع توقع أو ادعاء أو تخيل أن الأشياء التي تحدث في سورية والعراق والشرق الأوسط لا تمت لنا بصلة؟"، وكانت تلك هذه الملاحظات هي أول الإشارات إلى أن تركيا قد أصبحت على استعداد أخيراً للمشاركة في القتال ضد "داعش".
وكان الأتراك قد قاوموا الضغوط الأميركية للعب دور ريادي في الجهود ضد "داعش" في سورية. وما تزال وجهة نظرنا تتمثل في أن أنقرة سوف تُجر إلى داخل سورية في نهاية المطاف، لكننا لا نتوقع قيام القوات التركية بالتوغل في داخل سورية في العام 2016.
لا يستطيع الأتراك تحمل وجود مشاكل على طول حدودهم في ظل وجود علاقة سيئة مع الأميركيين. وما تزال سورية تشكل تحدياً متنامياً منذ أن اتضح أن نظام الأسد لم يكن على وشك السقوط. لكن الأمور في سورية أصبحت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي أكثر تعقيداً بكثير عندما أسقط الأتراك طائرة حربية روسية بالقرب من الحدود السورية.
عنى هذا التطور أن لدى تركيا أزمات في شمالها وجنوبها على حد سواء. ولم تكن ثمة طريقة ليكون الأتراك في خلاف مع واشنطن ومع موسكو في آن واحد. وفي الأثناء، توترت علاقات تركيا مع أوروبا بسبب موضوع الهجرة وبسبب عدم رغبتها في شن حملة على "داعش". وأحد الأسباب الرئيسية لتردد الأتراك في اتخاذ إجراء ضد "داعش" يكمن في خشيتهم من أنهم إذا فعلوا ذلك، فإنه قد يفضي إلى تقوية الأكراد السوريين، وسيفاقم بالتالي المشكلة الكردية الانفصالية. ومع ذلك، أصبح ذلك القلق ثانوياً أمام حاجة تركيا إلى الخروج من تحت الضغوط التي تتعرض لها على الجوانب كافة.
وفي الوقت نفسه، أصبحت "الدولة الإسلامية" تشكل تهديدا للأمن التركي. وتكمن الطريقة الوحيدة لمواجهة ذلك في تحسين العلاقات مع الأميركيين. وكان ثمن تحسين العلاقات هو الانخراط في الحملة ضد "داعش". وبالإضافة إلى ذلك، أصبح من الواضح أن الأكراد السوريين سيكونون هم القوة البرية الرئيسة المعادية لـ"داعش"، وهو ما لم يستطع الأتراك التسامح معه. وبوضع الأفضليات الذاتية جانباً، يعرف الأتراك أيضاً أن الأكراد السوريين هم القوة الوحيدة في الوقت الحالي التي تستطيع الضرب في قلب مناطق خلافة "داعش".
يركز الثوار الإسلامون الذين يتلقون الدعم من تركيا والعربية السعودية وقطر على قتال نظام الأسد. ولا شك في أن الأتراك لا يريدون إقحام قواتهم الخاصة، وهو ما يفسر السبب في أنهم وافقوا على استخدام القوات الخاصة. ولذلك، تخلوا عن مطالبة المقاتلين العرب بلعب دور قيادي بينما يقوم الأكراد بدور القوة المساعدة، وانتقلوا إلى قول أنهم مستعدون لقبول دور كردي في القتال ضد "داعش" طالما لم يسيطر الأكراد على أي منطقة إلى الغرب من نهر الفرات.
لكن القتال ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" لن ينتهي في أي وقت قريب. ولذلك يصعب التنبؤ بما سيحدث فيما بعد. وعند نقطة ما في المستقبل، قد ينشر الأتراك عدداً ضخماً من القوات في هذه العملية. وقد لا يعمدون إلى القيام بذلك لقتال "داعش"، وإنما من المرجح أنهم سيفعلون ذلك لمنع الأكراد السوريين من توسيع رقعة كردستان الواقعة في الشمال الشرقي من سورية.
بغض النظر عن مصير "داعش" والأكراد والوضع الإجمالي في سورية، فإن من المرجح أن تحصل الولايات المتحدة على ما تريد -أن يلعب الأتراك الدور الريادي في إدارة سورية التي مزقتها الحرب.

*نشر هذا التحليل تحت عنوان: Turkey's Shifting Policy on Syria

التعليق