د.أحمد جميل عزم

كيف وصل المخامرة إلى سارونا- تل أبيب؟

تم نشره في الخميس 16 حزيران / يونيو 2016. 11:06 مـساءً

1- 2016: سيتذكر كثيرون محمد وخالد مخامرة، فهما فدائيان، ارتديا بدلات أنيقة، لا يلبسها الفدائيون في العمليات عادة. كان يمكن أن يشربا القهوة في المقهى، ويتحدثا عن طفولتهما، وعن العمل بالبناء والهندسة، وتأسيس شركة. لكنهما استخدما في يوم 8 حزيران (يونيو)، بنادق "كارلو" محلية الصنع، غير أنيقة، وقتلا أربعة إسرائيليين.
2- 1995: ولد الشابان وكبرا في "يطا" المعروفة بهوس أبنائها بفريق كرة القدم في بلدتهم. ولحق محمد بخالد إلى الأردن. فالثاني أصبح طالب هندسة في جامعة مؤتة، والأول عمل في أعمال البناء أشهراً قبل عودته للعمل ذاته في الخليل.
متى قررا ارتداء ربطة العنق وامتشاق البندقية؟ لا يبدو أنّه مضى زمن طويل؛ فقد كان خالد يعد للعودة للجامعة قريباً.
3- 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1884: ولد اسحق بن تسيفي، في بولوتافا (وكانت جزءا من الإمبراطورية الروسية)، وهي اليوم في أوكرانيا. أي إنّه ولد بعد ثلاثة أعوام من اغتيال القيصر الروسي ألكسندر الثاني نيكولايفيتش رومانوف، الذي اتُهم اليهود باغتياله، وبدأت عمليات انتقام ضدهم، قتل فيها عشرات، وحُرقت بيوت كثيرة. وقيل إن أكثر من مائتي امرأة اغتصبت. ولم يصل اسحق سن العاشرة، حتى كان القتل قد اتسع وصار بالآلاف. كان طبيعياً أن يحاول الهرب، ولكنه لم يهرب كلاجئ، بل تحول إلى صهيوني. وصل فلسطين مهاجراً العام 1907، وصار سياسياً وأكاديمياً. وفي شقته غير المفروشة في يافا أسس "قوات دفاع" عسكرية، بينما فتح ودرّس في مدرسة في الحي البخاري (نسبة لبخارة في تركستان الروسية) في القدس. وصار بين العامين 1952 و1963، رئيساً لدولة إسرائيل، وسمي "أب دولة إسرائيل".
صورة بن تسيفي موجودة على العملة الإسرائيلية، فئة المائة شيكل (ربما كانت في جيب الشابين المخامرة يوم العملية). وفي بحث له العام 1928، وكجزء من تأليف وتأويل التاريخ، زعم بن تسيفي أنّ نصف عائلات يطا ينحدرون من أصول يهودية، وخصوصا "المخامرة". إلا أن أبحاثه هذه لم تقده لمحاولة السلام مع من زعم أنهم من أصلٍ واحد، حتى أنّه بينما كان يُجري بحثه، اتهم بتدبير اغتيال صهاينة أرادوا التعايش والسلام مع الفلسطينيين. ربما لو فكر في السلام ما وصل المخامرة إلى سارونا على هذا النحو.
4- آب (أغسطس) 1871: قام ألمان بروتستانت، طُردوا من الكنيسة في ألمانيا، بتأسيس "المستعمرة الألمانية" قرب يافا، وسموها "سارونا"، على أرض اشتروها من دير يوناني. وأسسوا مستعمرة زراعية، عانت الملاريا والفقر والجوع، فمات 28 من المستعمرين المائة، وخمسة وعشرون آخرون العام 1872. لكنها ازدهرت لاحقاً، وصدرت النبيذ إلى ألمانيا. وفي الحرب العالمية الثانية، بينما كان هتلر يقوم بمذابحه، قام البريطانيون بتحويل "سارونا" إلى سجن جمع فيه نحو ألف ألماني كانوا في فلسطين. وعُدّ الألمان، كالفلسطينيين، "عدوا" تُصنف أراضيهم أنّها "أموال غائبين"، وطُردوا من البلاد، واشترت بلدية تل أبيب أراضيهم من "حارس أملاك الغائبين". ويبلغني صديق محامٍ مختص بشؤون الأراضي في فلسطين، أن الألمان اعترضوا قضائياً ضد تصنيفهم غائبين، ودفع الإسرائيليون لهم، العام 1962، نحو 54 مليون مارك ألماني تعويضاً عن أملاكهم.
5- سوق سارونا: بنت شركة سوقاً كبيرة في سارونا، قيل إنها أكبر سوق مغلقة، وتريد استنساخ "قصبة المدينة في لندن"، وسوق تشيلسيا في نيويورك، والبوقاريا في برشلونة، وأسواق الصين؛ وأن تأتي بالأجبان من كل العالم، وخل إيطاليا، والنبيذ المحلي، والبهارات من الشرق، وتمزج الجديد مع القديم (هكذا تعلن السوق عن نفسها).
6- أحد القتلى الإسرائيليين الأربعة في "سارونا"، مولود العام 1958، يعرف كل ما مضى؛ سوق سارونا، وبن تسيفي... ليس فقط لأنّ الأخير كان أول رئيس لإسرائيل في حياة القتيل مايكل فيغ، بل أيضاً لأنّ فيغ بروفيسور من جامعة بن غوريون، مختص في "المجتمع الإسرائيلي، والذاكرة الجمعية، والأساطير السياسية"، ويعرف كيف وصل الشابان من يطا؛ فكل الحديث الصهيوني عن الماضي لم يوظف للتعايش، بل لخلق تعصب، ما دفعه لأن يكتب كتاباً فاز بجائزة رفيعة، عنوانه "الاستيطان في القلوب: الأصولية، الزمن، والمكان في المناطق المحتلة". وكتب فيه عن حركة "غوش أمونيم" الاستيطانية.

التعليق