الخبر.. رواية الثقة العمياء

تم نشره في الأحد 26 حزيران / يونيو 2016. 12:00 صباحاً

في الأخبار التي تنهال على رؤوسنا من كل حدب وصوب، نصغي للحرائق وسقوط الطائرات وأعمال القتل اليومية، وكأننا نصغي الى حقيقة جلية، لا يشوبها الخطل.
لحظة الإصغاء تلك، مشمولة بعناية الثقة بمن يقدم الخبر حتى لو كان كاذبا. وبطبيعة الحال، فأغلب الذين يمتلكون حاسة الإصغاء، هم من المصابين بلوثة الأخذ به، بدون أن يذهبوا نحو تحليل دواعيه وقوله في تلك اللحظة، ومأتاه وما ينضبط في حناياه من دلالات، قد لا يُنتبه اليها، فتتسلل إليهم، لتغدو حقيقة من التاريخ لا يمكن النقاش فيها. حقيقة ناصعة البياض، ولا نعرف هل فعلا هي ناصعة أم معتمة.
ثمة في الإعلام فنون، لا يدركها الا من يبحر في هذا العلم. تلك تحتمي بفنون القص واللصق والتشويق والمحو، الى جانب ما يعتور كل هذا من فنون التحرير والتهويل والتطبيل.
وللتغلب على فكرة الخبر، المشغول بحرفية عالم نفس، ليراد عبره تحميل بضع كلمات ضمن قطع مجتزأة من الصور أحيانا، هناك ما بعد الخبر، أي التأثير.
التأثير؛ هو مربط الخيل لدى صانع الخبر وصائغه. مطبخ الخبر يعمل على تقديم رائحة الشواء، ولكن هذه الرائحة يجب أن تحمل نكهة معينة في كل مرة. يتحدث عن العاصفة، لكنه يمنحك الشعور بها، أو تخيلها، أو لا يقف عند ذلك بعدها، لأنك في لحظة ستقف أنت ضد العاصفة، وفي أخرى، ستقف معها.
إذن أنت بحاجة لعقلك، لقدرتك على تفكيك ما يقال، على رأي يحتمي بأكثر من صورة وبأكثر من رأي، لتصغي. شرط الخبر الثقة، عناصره، وتكمن عناصره الأبرز في أن يكون واضحا، مشغولا بأناة، محمولا على رأيين -على الأقل، وموضوعيا، شفافا تستطيع أن ترى ما وراء سطوره، منطقيا، يمكنك من أن تلمسه في واقع حولك أو معك.
كم خبرا قرأت أو سمعت أو شاهدت، يمتلك ذلك؟
كم مرة فكرت بأن الخبر، يحمل في تلافيفه صيغة أخرى، غير تلك التي يقولها لك مباشرة؟
كم مرة شعرت بأن الخبر يمنحك فرصة لتداوله والشعور بنتيجته؟
هل أثر عليك مثلا؟
هل أصابك في حوار مع صديق بالثبات على موقفك، أو تغيير موقفك مثلا؟
عليك إذن مراجعة ما حدث لك بعد الخبر، وعدم التورط في الثقة به.
أي خبر كاذب حتى لو كان صادقا، اذا لم تحتضنه أكثر من رواية، وأي رواية كاذبة اذا لم تحتم بالمنطق. لا تضع نفسك في منطقة المبهم والثقة العمياء، لأنك مبصر، ولا تدع الخبر.. الرواية هي من تقودك لتكون أنت، قُدها أنت، فككها، استمتع بنقضها، افرح حين تصل الى نتيجة أنت صغتها، حتى لو كانت خاطئة، المهم أن تكون قادرا على رؤية ما تريد.

التعليق